و حقيقة هذه الطريقة أن سب النبي عليه الصلاة و السلام لما فيه من الغضاضة عليه يوجب القتل تعظيما لحرمته و تعزيرا له و توفيرا و نكالا عن التعرض له و الحد إنما يقام على الكافر فيما يعتقد تحريمه خاصة لكنه إذا أظهر ما يعتقد حله من المحرمات عندنا زجر عن ذلك و عوقب عليه كما إذا أظهر الخمر و الخنزير فإظهار السب إما أن يكون كهذه الأشياء كما زعمه بعض الناس أو يكون نقضا للعهد كمقاتلة المسلمين و على التقديرين فلإسلام يسقط تلك العقوبة بخلاف ما يصيبه المسلم مما يوجب الحد عليه و أيضا فإن الردة على قسمين: ردة مغلظة شرع القتل على خصوصها و كل منهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها و الأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعم القسمين بل إنما تدل على القسم الأول كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد فيبقى القسم الثاني و قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه و لم يأت نص و لا إجماع لسقوط القتل عنه و القياس متعذر مع وجود الفرق الجلي فانقطع الإلحاق
و الذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب و لا سنة و لا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه بل الكتاب و السنة و الإجماع قد فرق بين أنواع المرتدين كما سنذكره و إنما بعض الناس يجعل برأيه الردة جنسا واحدا على تباين أنواعه و يقيس بعضها على بعض فإذا لم يكن معه عموم نطقي يعم أنواع المرتد لم يبق إلا القياس و هو فاسد إذا فارق الفرع الأصل بوصف له تأثير في الحكم و قد دل على تأثيره نص الشارع و تنبيهه و المناسبة المشتملة على المصلحة المعتبرة
و تقرير هذا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن دلائل قبول توبة المرتد مثل قوله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ـ إلى قوله ـ إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا} [آل عمران: 86] و قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه} [النحل: 106] و نحوها ليس فيها إلا توبة من كفر بعد الإيمان فقط دون من انضم إلى كفره مزيد أذى و إضرار و كذلك سنة رسول الله عليه الصلاة و السلام إنما فيها قبول توبة من جرد الردة فقط و كذلك سنة الخلفاء الراشدين إنما تضمنت قبول توبة من جرد الردة و حارب بعد ارتداده كمحاربة الكافر الأصلي على كفره فمن زعم أن في الأصول ما يعم توبة كل مرتد سواء جرد الردة أو غلظها بأي شيء كان فقد أخطأ و حينئذ فقد قامت الأدلة على وجوب قتل الساب و أنه مرتد و لم تدل الأصول على أن مثله يسقط عنه القتل فيجب قتله بالدليل السالم عن المعارض
الثاني: أن الله سبحانه قال: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم و شهدوا أن الرسول حق و جاءهم البينات و الله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم و أولئك هم الضالون} [آل