وسيلة توصل إلى الغاية ولا تصل إلى الغاية المطلوبة بدونها فهذا حق لكن لا يجامع رفضها والاعراض عنها بل يقوم بها معتقدا أنها وسيلة موصلة إلى الغاية فهي كالطريق الحسي الذي يقطعه المسافر إلى مقصده فإن قيل له ارفض الطريق ولا تلتفت إليها انقطع عن المسير بالكلية وإن جعلها غايته ولم يقصد بالسير فيها وصوله إلى مقصد معين كان معرضا عن الغاية مشتغلا بالطريق وإن قيل له التفت إلى طريقك ومنازل سيرك وراعها وسر فيها ناظرا إلى المقصود عاملا على الوصول إليه فهذا هو الحق
وقوله المتوكل وإن رفض الأسباب واقف مع توكله
فيقال إن وقف مع توكله امتثالا لأمر الله وأداء لحق عبوديته معتقدا أن الله هو الذي من عليه بالتوكل وأقامه فيه وجعله سببا موصلا له إلى مطلوبه فنعم الوقوف وقف وما أحسنه من وقوف وإن وقف معه اعتقادا أن بنفس توكله وعمله يصل مع قطع النظر عن فضل ربه وإعانته ومنه عليه بالتوكل فهو وقوف منقطع عن الله
وقوله إن التوكل بدل من الأسباب التي رفضها فالمتوكل متنقل من سبب إلى سبب يقال له إن كانت الأسباب التي رفضها غير مأمور بها فالتوكل المجرد خير منها وإن كانت مأمورا بها فرفضه لها إلى التوكل معصية وخروج عن الأمر
نعم للتوكل ثلاث علل إحداها أن يترك ما أمر به من الأسباب استغناء بالتوكل عنها فهذا توكل عجز وتفريط وإضاعة لا توكل عبودية وتوحيد كمن يترك الأعمال التي هي سبب النجاة ويتوكل في حصولها ويترك القيام بأسباب الرزق من العمل والحراثة والتجارة ونحوها ويتوكل في حصوله ويترك طلب العلم ويتوكل في حصوله فهذا توكله عجز وتفريط كما قال بعض السلف لا تكن ممن يجعل توكله عجزا وعجزه توكلا
العلة الثانية أن يتوكل في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه كمن يتوكل في حصول مال أو زوجة أو رياسة وأما التوكل في نصرة دين الله وإعلاء كلمته وإظهار سنة رسوله وجهاد أعدائه فليس فيه علة بل هو مزيل للعلل
العلة الثالثة أن يرى توكله منه ويغيب بذلك عن مطالعة المنة وشهود الفضل وإقامة الله له في مقام التوكل وليس مجرد رؤية التوكل علة كما يظنه كثير من الناس بل رؤية التوكل وأنه من عين الجود ومحض المنة ومجرد التوفيق عبودية وهي أكمل من كونه يغيب عنه ولا يراه فالأكمل أن لا يغيب بفضل ربه عنه ولا به عن شهود فضله كما تقدم بيانه
فهذه العلل الثلاث هي التي تعرض في مقام التوكل وغيره من المقامات وهي التي يعمل العارفون بالله وأمره على قطعها وهكذا الكلام في سائر علل المقامات وإنما ذكرنا هذا مثالا لما يذكر من عللها وقد أفرد لها صاحب المنازل مصنفا لطيفا وجعل غالبها معلولا والصواب أن عللها هذه الثلاثة المذكورة أن يترك بها ما