أَما قوله تعالى: {وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (البقرة: 217) . بخفض المسجدِ، وقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءلُونَ بِهِ وَالاْرْحَامَ} (النساء: 1) ، بخفض الأرحام في قراءة حمزة، فقد يتخرّج ذلك على القسم، وقد يتخَرّج ذلك أن يكون من باب حذف حرف الجر لنيابة حرف العطف منابه، وذلك أيضًا قليل، وسنبين الدليل على أَنَّ العرب تحذف الخافض لدلالة ما تقدم عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ولا يجوز تقديم المعطوف على المعطوف عليه إلا في الواو خاصة. وذلك بثلاثة شروط:
أحدهما: أَن لا يؤدّي إلى وقوع حرف العطف صدرًا فلا تقول: وعمرٌ زيدٌ قائمانِ، وأَنت تريد: زيدٌ وعمرٌ قائمانِ.
والآخر: أن لا يؤدّي إلى مباشرة حرف العطف عاملًا غير متصرف، فلا تقول) إِنَّ وعمرًا زيدًا قائمانِ، تريد إِنَّ زيدًا وعمرًا قائمانِ.
والآخر: أن لا يكون المعطوف مخفوضًا، فلا تقول: مررتُ وعمروٍ بزيدٍ، تريد مررتُ بزيد وعمروٍ.
فهذه الأماكن لا يجوز فيها تقديم المعطوف على المعطوف عليه، ويجوز فيما عدا ذلك. فمن ذلك قول الشاعر:
جمعتَ وفُحشًا غِيبةً ونميمةً
ثلاثَ خصالٍ لستَ عنها بمرعوي
يريد: جمعتَ غيبةً وفُحشًا ونميمةً. وقول الآخر:
ألا يا نخلةً من ذاتِ عرقٍ
عليكِ ورحمةُ اللَّهِ السلامُ
يريد: عليكِ السلامُ ورحمةُ اللَّهِ، وقول ذي الرمة:
كأنّا على أولادِ أَحقبَ لاحَها
وَرَمَى السَفَا أَنفاسَها بسِهامِ
جنوبٌ ذَوتْ عنها التناهي فأنزلت
بها يوم ذباب السبيب صيامِ
يريد: لاحها جنوبٌ ورَمُي السفا، وقول ذي الرمة أيضًا:
وأنتِ غريمٌ لا أَظَنُّ قضاءَهُ
ولا العَنَزِيُ القارظُ الدَهر جائيًا
يريد: لا أظن قضاءَه جائيًا هو والعَنَزِيُ.
فإن قيل: فقد جاء التقديم في «أو» قال الشاعر:
فلست بنازلٍ إِلاَّ ألمّت
برحْلي أو خيالتُها الكَذوب