فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 831

ومثال مجيئها منتقلةً: جاءَ زيدٌ مسرعًا، ألا ترى أنَّ الإسراع صفة غير لازمة لزيد. ومثال مجيئها في حكم المنتقلة قولك: وُلدَ زيدٌ أزرَقَ، ألا ترى أنَّ الزَرقَ غيرُ منتقل، إلاّ أنه في هذا الموضع يشبه المنتقل، لأنّه قد كان يجوز أن يولد أزرقَ وغير ذلك. ولو قلت: جاءَ زيدٌ أزرقَ، لم يجز، لأنَّ زيدًا أبدًا استقرَّ له الزَرقَ قبل مجيئه، فمحال أن يجيء إلا وهو أزرقُ، وإنّما يجوز ورود أزرق وأمثاله أحوالًا بعد وُلِد أو ما في معناه.

ومن كلام العرب: خلقَ اللَّهُ الزرافةَ يَدَيْها أطولَ من رجلَيْها. فأطول حال وإن كان صفة غير منتقلة لمجيئه بعد خَلَقَ، ومثل ذلك قول الشاعر:

فجاءَت به سَبَطَ العِظام كأنّما

عِمامَتُهُ بينَ الرجالِ لِواء

ألا ترى أنَّ معنى سبط العظام: طويلٌ، لكنه ساغ ذلك لأن معنى جاءت به: ولَدتُه كذلك.

ومن الناس من زَعمَ أنَّ الحال لا يُشترط فيها الانتقال، واستدلَّ على ذلك بمجيء: دعوتُ اللَّهَ سميعًا. ألا ترى أنَّ سميعًا من صفات الله تعالى. فهي لازمة لا تنتقل وكذلك: {هُوَ الْحَقُّ مُصَدّقًا} (فاطر: 31) . لأنَّ التصديق للحق لازم. وهذا فاسد، أما التصديق فغير لازم للحق، لأنَّ الحقَّ قد يؤتى به لأنّه حقٌّ في نفسه لا لأنْ يُصدَّقَ به حقٌّ آخرُ، وقد يؤتى به لأن يُصدَّقَ به حقّ آخر كالمعجزات فالتصديق إذن غيرُ لازمٍ للحقِّ.

وأما دعوت الله سميعًا، فسميعًا فيه بمعنى مُجيبًا لأنَّ سمع قد يكون بمعنى أجاب ومنه: سمعَ اللَّهُ لمَن حَمِدَهُ، أي استجابَ اللَّهُ. فمعنى دعوتُ الله سميعًا دعوتُهُ مُجيبًا، أي مُقدَّرًا لأنْ يُجِيبَني، لأنَّ الحال قد يكون بالمستقبل فيكون تقديره نحو قولك: مررتُ برجلٍ معهُ صقرٌ صائدًا به غدًا، ألا ترى أنَّ صائدًا في معنى المستقبل. فلا يُتصوَّر مجيئه حالًا إلا على هذا التقدير، كأنّك قلت: معه صقرٌ مقدِّرًا الآنَ الصيد به غدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت