فالذي يَثبُت من هذا الباب قد قدّمناه أولًا وهي أفعال كلها بلا خلاف إلا ليس فإن فيها خلافًا. فمذهب الفارسي ومن أخذ بمذهبه أنها حرف، واستدل على ذلك بأنها لا مصدر لها ولا تتصرّف، وأنها ليست على أوزان الأفعال. وذلك كلّه لا حجة فيه. أما كونها لا تتصرف وكونها لا مصدر لها فإنّه قد وجد من الأفعال ما هو بهذه الصورة نحو التعجب في مثل: ما أحسَنَ زيدًا، ألا ترى أنّه لا مصدر له وأنّه لا يتصرف، وقد سلم الخصم مع ذلك أنّه فعل لقيام الدليل عليه، وسنذكر ذلك في موضعه.
وأما كونها ليست على وزن الفعل في اللفظ فإنه يحتمل أن يكون مخففة من فَعِلَ فتكون في الأصل لَيسَ نحو: صَيدَ البعيرُ، وفَعِل قد تخفّف فيقال: فَعْلَ، قال الشاعر:
لو شَهْدَ عادًا في زمانِ عادِ
لابتزّها مِبارِكَ الجِلادِ
والتزم فيها التخفيف لثقل الكسرة في الياء، ولا يمكن أن تكون فَعَلَ في الأصل لأنَّ فَعَلَ لا يخفّف، ولا فَعُلَ بضمّ العين، لأنَّ فَعُلَ لا يبنى ممّا عينه ياء.
فإن قيل: وما الذي يدلّ على أنها فِعْلٌ؟ فالجواب: إنَّ الذي يدلّ على ذلك لحاق علامة التأنيث لها على حدّ ما تلحق الفعل أعني أنها تثبُت مع المؤنث وتسقط مع المذكر نحو: ليسَ زيدٌ قائمًا، وليست هندٌ قائمةً، كما تقول: قامَ زيدٌ وقامت هندٌ. وليس لحاق علامةِ التأنيث الحرفَ كذلك، بل تلحق مع المؤنث والمذكر نحو: قام زيدٌ ثُمّةَ عمروٌ وثُمّةَ هِندٌ.
ويدلّ على ذلك أيضًا اتصال ضمائر الرفع بها نحو: ليسا أو ليسوا ولو كانت حرفًا لم يكن ذلك فيها لأنَّ الحرف إنما يتصل به ضمير الخفض أو النصب نحو: إنّكَ وإنَّه وبِكَ وبِهِ، فثبت أنّها فعلٌ وهو مذهب سيبويه، وقد نص على ذلك في مواضع من كتابه.