ويمكن أن تكون اللام هنا دخلت في خبر إنَّ وذلك بأن يكون الأصل: ولكن إنّي من حبّها لعميد، فنقل حركة همزة إنّي إلى نون لكن على حد نقلها في: قَدَ أفلحَ، فصار ولكنني، ثم أدغم نون لكن في النون الساكنة من إني إجراءً للمنفصل مجرى المتصل كما قالوا في جعل لك: جعلك، وكقوله تعالى: {لَّكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبّى} (الكهف: 38) . أصله لكن أنا، ثم نُقلت حركة همزة أنا إلى نون لكن فصار لكننا ثم أدغم، فلما أراد إدغام النون من لكن في الساكنة بعدها احتاج إلى تسكين الأولى لأنّه لا يدغم إلا الساكن في المتحرك، فلما سكن التقى الساكنان النون في لكن والنون الساكنة من إنّي، فحركت الثانية لالتقاء الساكنين وكانت حركتها بالفتح طلبًا للخفة ثم أدغم فصار لكنّني.
وإنّما لم تدخل اللام إلاّ في خبر إنَّ من بين سائر أخواتها لأنّها تدخل على المبتدأ والخبر ولا تغيّر معناه ولا حكمه كسائر أخواتها، ألا ترى أنَّ ليت تُدخِل في الخبر التمني، ولعلّ تدخل فيه الترجي، وكأنَّ تدخل فيه التشبيه، ولكنَّ تصيّر الجملة لا تستعمل إلاّ بعد تقدّم كلام وقد كانت قبل دخولها ليست كذلك، ألا ترى أنك لا تقول: لكنَّ زيدًا قائمٌ، ابتداء، وأيضًا فإنَّ الجملة قبل دخول لكنَّ قد كان يسوغ وقوعها جوابًا للقسم نحو: واللَّهِ لزيدٌ قائمٌ، ولا يتصور ذلك مع لكنَّ.
وأما أنَّ فتَصيّر مع ما بعدها في تقدير مفرد نحو: يُعجِبني أنَّ زيدًا قائمٌ، ألا ترى أنها تتقدَّر بالمصدر كأنّك قلت: يُعجبني قيامُ زيدٍ. وأما إنَّ فلا تغير معنى الكلام ولا حكمه، ألا ترى أنَّ: إنَّ زيدًا قائمٌ، وزيدٌ قائمٌ، بمعنى واحد، وأنَّ كلَّ واحد منهما يقع جوابًا للقسم، تقول: واللَّهِ لزيدٌ قائمٌ، واللَّهِ إنَّ زيدًا قائمٌ، فلما لم تغيِّر إنَّ الحكم ولا المعنى أتَوا معها باللام المؤكدة كما يفعلون قبل ذلك.