وهذه الحروف إذا كان اسمها ياء المتكلم فإنَّها تلحقها نون الوقاية كما تلحق الفعل فتقول: إنني ولكنّني. وكذلك سائر أخواتها. وهي في ذلك تنقسم قسمين. قسم تلزمه نون الوقاية وقسم لا تلزمه. والذي تلزمه نون الوقاية ليت، تقول: ليتني، ولا يجوز ليتي إلاّ في ضرورة شعر نحو قوله:
كمُنيةِ جابرٍ إذ قال ليتي
أُصادِفُه وأُتلِفُ بعضَ مالي
والذي لا يلزم نون الوقاية ما بقي.
وإنما حذفت النون من إنّي وكأني وأنّي ولكنّي كراهية اجتماع الأمثال. وحذفت في لعلَّ كراهية اجتماع المثلين مع النون المقاربة للام، فكأنه اجتمع ثلاثة أمثال. ولم تحذف من ليتني لأنه لم يجتمع لك أمثال ولا مقاربات.
وأما الفراء فزعم أنَّ ليت قوي شبهها بالفعل لكونها على مثال من أمثلة الفعل، ألا ترى أنها على وزن عَلْمَ المخفّف من عَلِمَ، نحو قوله:
لو شَهْدَ عادًا في زَمانِ عادِ
يريد شَهِدَ. ولزمتها نون الوقاية كما تلزم الفعل. وأما لكنَّ وكأن ولعل فليس شيءٌ منها على وزن الفعل، فلذلك لم يتأكد لحاق النون لها تأكده في ليت، فلذلك حذفت. v
وهذا الذي ذهب إليه باطل، لأنّه لو كان الأمر كذلك للزمت نونُ الوقاية أنّ لأنها كردّ. فإنْ لم تلزم العرب نون الوقاية «أنَّ» دليل على أنَّ الذي حذفت له نون الوقاية هو ما ذكرناه.
وهذه الحروف يجوز تخفيف مضعّفها سوى لعلَّ فإنها لم يُسمع فيها التخفيف وما عدا ذلك من مضاعفها فقد سُمع فيه التخفيف.
فأما لكنّ إذا خففت لم يجز فيها إلا الإلغاء، وذلك: ما قام زيدٌ لكن عمروٌ قائمٌ. وإنّما لم تعمل إذا خُفّفت لأنّها يزول عنها الاختصاص الذي عملت به فيجوز أن تليها الأفعال. ألا ترى أنه يجوز أن تقول: ما قام زيدٌ لكنْ قام عمروٌ.