وهذا الذي ذهب إليه من أن الباء تعطي التَبيض فاسد، بل التبعيض هنا مفهوم من معنى الكلام، وإنما أعطت الباء إلصاق الأخذ بالثوب، وقد علم أَنَّ اليد لا تختلط بجميع الثوب، كما أنك إذا قلت: شربتُ ماءَ البَحرِ، إنّما تريد شربتُ بعضَ ماءِ البحرِ، فكما أنَّ التبعيض هنا لم يفهم من حرف فكذلك هو في قولهم: أخذتُ بثوبِه، وإنّما يقال إن الحرف يعطي معنى إذا كان المعنى لا يفهم إلا من الحرف نحو قولك: قبضتُ من الدراهمِ، ألا ترى أَنَّ التبعيض إنما فُهم من «مِنْ» بدليل أنّك لو قلت: الدراهم، وأسقطت من لارتفع التبعيض وكان المقبوض جميع الدراهم، وأنت لو قلت: أخذت الثوب، وأسقطت الباء لعُلِم أنَّ الأخذ إنما كان في بعض الثوب إذ اليد لا تُحيط بجميع أجزاء الثوب.
وكذلك أيضًا من جعلها بمعنى عن استدل على ذلك بأنّك تقول: سألتُ بهِ، بمعنى سألتُ عنهُ، قال الله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} (الفرقان: 59) ، أي عنه، وقال الشاعر:
فإن تسألوني بالنِساءِ فإنّني
بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ
أي عن النساء.
ولا حجة في شيء من ذلك، لأنه قد يتصوَّر أن تكون الباء للسبب، لأنّك إذا سألت عن شيء فقد أوقعتَ السؤال بسبب ذلك الشيء، فكأنه قال: فإن تسألوني بسببِ النساءِ.
فإن قيل: سألتُ بسببِ كذا، لا تدري هل السؤال عن ذلك الشيء الذي دخلت عليه الباء أو عن غيره بسببه، وأنت إذا قلت: سألت عنه فإنّما السؤال عن الذي دخلت عليه عن. فالجواب: إنّهم إذا فعلوا ذلك أعني جعلوا الباء للسبب وحذفوا المسؤول عنه فلا بد من أن يكون في الكلام ما يدلّ على المحذوف، فقوله: فإن تسألوني بسبب النساء، معلوم أَنَّ السؤال المسؤول عن النساء بدليل قوله: بصيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ.
وكذلك فاسأل بهِ خبيرًا، أي فاسأل بسببه خيبرًا، لأنَّ طلب السؤال منها عام فكأنّه قال: إذا سألتَ بسببه عن شيء فقد وقعت بسؤالك على خبيرٍ به.