وأيضًا فإنّها لانتهاء الغاية، فإذا قلت: اشتريتُ المكانَ إلى الشجرةِ، فما بعدها الذي هو الموضع الذي انتهى إليه المكان المشترى فلا يتصوّر بذلك أن تكون الشجرة من المكان المشترى، لأنَّ الشيء لا ينتهي ما بقي منه شيء. فكيف يُتصور أن تكون الشجرة هي التي انتهى إليها المكان مع أنّها بعضه، إلاَّ أن يتجوز في ذلك فيجعل ما قرب من الانتهاء انتهاء.
فإذا لم يتصوَّر أن يكون ما بعدها داخلًا فيما قبلها إلا مجازًا وجب أن يحمل على أنّه غير داخل فيما قبلها، لأن الكلام لا يحمل على المجاز ما أمكنت الحقيقة، إلا أن يكون في الكلام كما تقدم قرينة، فتكون تلك القرينة مُرجحّة لجانب المجاز على جانب الحقيقة.
وأمّا رُبَّ: فمعناها عند المحقّقين من النحويين التقليل. فإذا قلت: رُبَّ رجلٍ عالمٍ لقيتُ، فكأنّك قلت: قد لقيتُ من صنفِ الرجالِ العلماءَ وليس مَنْ لقيتهُ بالكثيرِ. ومثال ذلك قوله:
ألا ربَّ مولودٍ وليسَ لهُ أبٌ
وذي وَلَدِ لمَ يَلْدَه أبوانِ
وذي شامةٍ غَراءَ في حُرّ وجهِهِ
مجلّلةٍ لا تنقضي لأوانِ
فالمولود الذي ليس له أبٌ عيسى عليه السلام، والذي له ولد ولم يلده أبوان هو آدم عليه السلام، وصاحب الشامة هو القمر، شبه الكلف الذي يظهر فيه المسمى أرنب القمر بالشامة، أَلاَّ ترى أَنَّ رُبَّ في جميع هذا دخلت على ما هو واحد ولا ثاني له. فدلَّ ذلك على أَنَّها للتقليل.
وزعم بعض النحويين أنّها قد تكون للتكثير وذلك في موضع المباهاة والافتخار. نحو قوله:
فيا رُبَّ يومٍ قد لهوتُ وليلةٍ
بآنسةٍ كأَنَّها خَطُّ تِمثالِ
وقوله:
فيا ربَّ مكروبٍ كررتُ وراءَهُ
وعانٍ فككتُ الغُلَّ عنهُ فَفَدّانِي