ألا ترى أَنَّه إنّما يريد أَنَّه لها أيامًا وليالي كثيرة وكثر منه فكُّ الأسرى وكرهُ وراءَ المكروبين، وهذا وأمثاله لا حجة لهم فيه، لأنَّ رُبَّ في هذه الأماكن وأمثالها للمباهاة والافتخار، والمباهاة لا (تُتصوَّر إلاّ) مما يقلّ نظيره من غير المفتخرِ، إذ ما يكثر من المفتخرِ وغيره لا يتصوَّر الافتخار به فتكون رُبَّ في هذه الأماكن التي للمباهاة والافتخار للقليل النظير فكأَنَّه قال: الأيام التي لهوتُ فيها والليالي يقل وجود مثلها لغيري، فكأنّه قال: الأسرى الذي فككت والمكروبون الذي كررتُ وراءهم من الكثرة بحيث يقلّ فكُّ غيري لهم.
ويمكن أيضًا أن يريد أَنَّ هذه الأشياء التي يفتخر بها هي وإن كانت قد وقعت كثيرًا من المفتَخِر فإنّها بالنظر إلى شرف هذا المفتخر وجلالته قليلة.
فإن قيل: ولعلَّ هذا المقصود بربَّ إنّما هو المباهاة والافتخار وانجرّ التقليل إذ لا يتصور الافتخار إلا بما يقلّ نظيره كما ذكرنا، فالجواب أَنْ تقول: الذي يدل على أَنَّ رُبَّ إنّما وقعت للمباهاة من حيث يكون فيها التقليل أَنَّ رُبَّ إذا كانت لغير مباهاة وافتخار إنّما تكون للتقليل في كلامهم فوجب فيها إذا كانت للافتخار أن تكون على حسبها إذا كانت لغير افتخار من إرادة التقليل بها.
وأيضًا فإن المفرد بعد رُبَّ يكون في معنى جمع، ألا ترى أن قوله:
فيا رب يومٍ قد لهوت وليلةٍ
لم يرد بيوم وليلة واحدًا بل المراد أيامٌ وليالٍ، والمفرد لا يكون في معنى جمع إلا إذا اقترن به لفظ عموم نحو: كلُّ رجلِ، أو يقع تمييزًا في نحو: عشرين رجلًا، أو في نفي نحو: ما قام رجلٌ، أو في تقليل نحو: قلّ رجلٌ يقول ذلك إلاَّ زيدٌ، أَلا ترى أن رجلًا في: قل رجلٌ، يراد به العموم ولولا ذلك لما ساغ الاستثناء منه، فلولا أن رب للتقليل لما كان المفرد بعدها في معنى جمع.