تشغل الرحلة مكانا مميّزا في الثّقافة العربية. فقد تضافرت دواع وأسباب مختلفة حضّت النّاس على الرّحلة، ويسّرت أمرها، فكثرت الرّحلات وتنوّعت بتنوّع حوافزها ومقاصدها العلميّة والدّينية والسّياسية والاجتماعية والاقتصاديّة وراح أدب الرّحلات الّذي استهوى قراءه وأمتعهم بما كان يعرض من المشاهد والآثار المجهولة، والعجائب المشوّقة يصفها وصف معاينة، وبما كان يصوّر من عادات النّاس وأخلاقهم ومشاعرهم تصويرا يبث الحياة والحركة، وحفلت المكتبة العربية بمختلف أنواع الرّحلات، فرحلة تصف الأقاليم والبلاد وما حوت من الغرائب، ورحلة يهفو صاحبها إلى زيارة البيت العتيق، ورحلة مطلبها الأوّل لقاء العلماء ومذاكرتهم والأخذ عنهم، ورابعة للسّفارة وربط أواصر الصّداقة، وخامسة ترتاد المجهول من البقاع حبا للمعرفة، أو سعيا وراء التّجارة والرّبح، أو تطلّعا إلى نشر الدّين، أو بسط السّلطان، وتمور صفحات هذه الرّحلات، على تعدّد أغراضها، بالجليل من الفوائد الّتي ترسم جوانب هامة من حياة الشّعوب وطباعها وعاداتها، وتقدم وثائق وشواهد حيّة لما كانت عليه الحضارة العربية في مختلف عصورها.
ولما أطلّ العصر الحديث نشرت جملة من هذه الرّحلات النّفيسة، وأكبّ عليها الباحثون الذّين أفاضوا في الحديث عن مكانة أدب الرّحلة، وما ينطوي عليه من ذخائر، فكشفوا بدراساتهم عن هذا الجانب الهامّ من جوانب الثّقافة العربيّة [1] . ولم يكن بدّ من متابعة الطّريق بشقّيه: بذل الجهود وتنسيقها في استكمال نشر تراثنا من الرّحلات محقّقا، وتقديم الدراسات الّتي تجلو هذه الصّفحات الرّوائع، لتحتلّ الرّحلة العربيّة مكانها الصّحيح في تاريخ العلم.
ويندرج مسعى الشّاب الجادّ الواعد علي إبراهيم كردي في هذا السّياق، إذ تصدّى لتحقيق كتاب من أجلّ كتب الرّحلات المغربيّة وهو: رحلة العبدري.
كان المستشرقون أوّل من نوّه في العصر الحديث بقيمة رحلة العبدري: عني بها المستشرق الفرنسي فانسان في مقال نشره بالجريدة الآسيوية (سنة 1845م) ، ثم تحدّث عنها بإعجاب بالغ المستشرق الفرنسي شربونو في مقال نشره بالجريدة الآسيوية
(1) من المؤلفات الحديثة في هذا الباب: الرّحالة المسلمون في العصور الوسطى للدكتور زكي محمد حسن، الجغرافية والرحلات عند العرب لنقولا زيادة، الرحلات للدكتور شوقي ضيف، الرحلة والرحالة المسلمون للدكتور أحمد رمضان أحمد، أدب الرحلة عند العرب للدكتور حسني محمود حسين، أدب الرحلة للدكتور حسين نصار، أدب الرحلات للدكتور حسين محمد فهيم.