وكأنّه ترصيع معنويّ وقلّما يوجد إلّا في نادر من الكلام، وقد استغرب أبو الفتح بن جنّي [1] ما حكي عن المتنبّي في قوله: [2] [الطويل]
وقد عادت الأجفان قرحا من البكا ... وعادت بهارا في الخدود الشّقائق [3]
قال: سألته هل هو قرحى ممال أو قرحا منّون؟ فقال لي: قرحا منّون، ألا ترى أنّ بعده: وعادت بهارا. قال: يعني أن بهارا جمع بهارة [4] ، وقرحا جمع قرحة. ثم أطنب في الثّناء على المتنبّي واستغراب [5] فطنته لأجل هذا.
وبيان ما ذكرت في الآية أنّها متضمّنة لقسمين: قسم الضّلال وقسم التّذكير، فأسند الفعل الثّاني إلى ظاهر حسب إسناد الأوّل ولم يوصل بضمير مفعول، لكون الأوّل لازما، فأتى بالثّاني على صورته من التّجرّد [34/ آ] عن المفعول، ثمّ أتى به أخيرا بعد اعتدال الكلام، وحصول التّماثل في تركيبه، ولو قيل: إنّ المفعول حذف لكان أبلغ في المعنى المذكور، وتكون الأخرى بدلا أو نعتا على جهة البيان، كأنّه قال: «إن كان ضلال من إحداهما، كان تذكير من الأخرى» ، وقدّم على الأخرى لفظ إحداهما ليسند الفعل الثّاني إلى مثل [6] ما أسند إليه الأوّل لفظا ومعنى والله أعلم.
(1) هو عثمان بن جنّي الموصلي من أئمة الأدب والنحو، ولد في الموصل، وقرأ على أبي علي الفارسي وصحبه أربعين عاما. توفي سنة 392هـ في بغداد. له ترجمة في بغية الوعاة 2/ 132 إنباه الرواة 2/ 335البلغة 137.
(2) ديوانه 2/ 342.
(3) في الديوان: وقد صات، وصار.
(4) أنظر كلام ابن جني فيما نقله عنه العكبري في شرح الديوان 2/ 342.
(5) في ط: واستغرب.
(6) ليست في ط.