ووعدته الخير وسافر معنا وظهر لنا من حاله أنه صاحب مال كثير وله ديون على الناس غير أنه ساقط الهمة خسيس الطبع سيء الأفعال وكنا نعطيه الدراهم لنفقتنا فيأخذ ما يفضل من الخبز ويشتري به الأبزار والخضر والملح ويمسك ثمن ذلك لنفسه ذكر أنه كان يسرق من دراهم النفقة دون ذلك وكنا نحتمله لما كنا نكابده من عدم المعرفة بلسان الترك وانتهت حاله إلى أن فضحناه وكنا نقول له في آخر النهار يا حاج كم سرقت اليوم من النفقة فيقول كذا فنضحك منه ونرضى بذلك ومن أفعاله الخسيسة أنه مات لنا فرس في بعض المنازل فتولى سلخ جلده بيده وباعه ومنها أننا نزلنا ليلة عند أخت له في بعض القرى فجاءت بطعام وفاكهة من الإجاص والتفاح والمشمش والخوخ كلها ميبسة وتجعل في الماء حتى ترطب فتؤكل ويشرب ماؤها فأردنا أن نحسن إليها فعلم بذلك فقال لا تعطوها شيئا واعطوا ذلك لي فأعطيناه إرضاء له وأعطيناها إحسانا في خفية بحيث لم يعلم بذلك
ثم وصلنا إلى مدينة بولي ولما انتهينا إلى قريب منها وجدنا واديا يظهر في رأي العين صغيرا فلما دخله بعض أصحابنا وجدوه شديد الجرية والانزعاج فجاوزوه جميعا وبقيت جارية صغيرة خافوا من تجويزها وكان فرسي خيرا من افراسهم فأردفتها وأخذت في جواز الوادي فلما توسطته وقع بي الفرس ووقعت الجارية فأخرجها أصحابي وبها رمق وخلصت أنا ودخلنا المدينة فقصدنا زاوية أحد الفتيان الأخية ومن عوائدهم أنه لا تزال النار موقوده في زواياهم أيام الشتاء أبدا يجعلون في كل ركن من أركان الزاوية موقدا لنا ويصنعون لها منافس يصعد منها الدخان ولا يؤذي الزاوية ويسمونها البخاري واحدها بخيري ( 28 ) فلما دخلنا للزاوية وجدنا النار موقودة فنزعت ثيابي ولبست ثيابا سواها واصطليت بالنار وأتى الأخي بالطعام والفاكهة وأكثر من ذلك فلله درهم من طائفة ما أكرم نفوسهم وأشد إيثارهم وأعظم