وأما هزائم الأعادي فإنما اتفقت للملوك بثبوت جيوشهم وإقدام فرسانهم فيكون حظ الملوك الثبوت والتحريض على القتال وأما مولانا أيده الله فإنه أقدم على عدوه منفردا بنفسه الكريمة بعد علمه بفرار الناس وتحققه أنه لم يبق معه من يقاتل فعند ذلك وقع الرعب في قلوب الأعداء وانهزموا أمامه فكان من العجائب فرار الأمم أمام واحد وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتقين وما هو إلا ثمرة ما يمتن به أعلى الله مقامه من التوكل على الله والتفويض إليه
33 عن علم أبي عنان
لو أن عالما ليس له شغل إلا بالعلم ليلا ونهارا لم يكن يصل إلى أدنى مراتب مولانا أيده الله في العلوم مع اشتغاله بأمور الأمة وتديبره لسياسة الأقاليم النائية ومباشرته من حال ملكه ما لم يباشره أحد من الملوك ونظره بنفسه في شكايات المظلومين ومع ذلك كله فلا تقع بمجلسه الكريم مسالة علم في أي علم كان إلا جلا مشكلها وبحث في دقائقها واستخرج غوامضها واستدرك على علماء مجلسه ما فاتهم من مغلقاتها ثم سما أيده الله إلى العلم الشريف التصوفي ففهم إشارات القوم وتخلق بأخلاقهم وظهرت آثار ذلك في تواضعه مع رفعته وشفقته على رعيته ورفقه على أمره كله وأعطى الآداب حظا جزيلا من نفسه فاستعمل أحسنها منزعا وأعظمها موقعا
وصارت عنه الرسالة الكريمة والقصيدة اللتان بعثهما إلى الروضة الشريفة المقدسة الطاهرة روضة سيد المرسلين وشفيع المذنبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبهما بخط يده الذي خجل الروض حسنا وذلك شيء لم يتعاط أحد من ملوك الزمان إنشاؤه ولا رام إدراكه ومن تأمل التوقيعات الصادرة عنه أيده الله تعالى وأحاط علما بمحصولها لاح له فضل ما وهب الله لمولانا من البلاغة التي فطره عليها وجمع له بين الطبيعي والمكتسب منها