الصفحة 126 من 1625

واعلم أَنَّ كون المصلي بين يدي الله - عز وجل - وأن الله قبل وجهه فإن هذا لا ينافي عُلوَ الرَّب على خلقه فهو في نزوله في الثلث الأخير من الليل دانٍ في علوه وعالٍ في دنوه فهو سبحانه محيط بالعالم كله. وقد أخبر سبحانه { فأينما تولوا فثمَّ وجه الله } ، فإن العبد هو بين يدي الله في صلاته وأينما اتَّجَهَ فإن الله سبحانه محيط به فإذا كان شأن المخلوق وهي الجهة العلوية والأرض كروية. وقد قرر ذلك شيخ الاسلام في كتابه شرح النزول وفي مواطن من مجموع الفتاوى أَنَّ الأرض كروية والعلو محيط بها من كل مكان. فإذا كان المخلوق محيطًا بالإنسان لكبره من كل مكان، فالرب - عز وجل - محيط به ولا يُحاط به سبحانه. ومن ردود عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه النقض على بشر المريسي حكى أَنَّ بشرًا المؤّل المعطل يقول في تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (فإن الله قِبلَ وجهه) : فإنه يحتمل أَنَّ الله يقبل عليه بنعمته وإحسانه وإفضاله وثوابه. وفي هذا غايةً الانكار لصفة الوجه لله - عز وجل - ذي الإجلال والإكرام. حتى ادعى أَنَّ وجه الله الذي وصفه بإنه ذو الجلال والاكرام مخلوق لأن الأعمال والثواب والجهة مخلوقة وكذا (قِبْلَةَ الله) فهي كذلك مخلوقة، وهذا تعطيل لصفة الله. والصواب ابقاء هذا الحديث على ظاهره فالله مُقبل علىكل مُصَلٍّ إلى أي جهة من الجهات المأمور بها بوجهه، والاحاديث الواردة في هذا الباب كثيرة متواترة كما قال ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت