الصفحة 154 من 1625

وقال له: إني لم أبعثها لك لتلبسها، ففيها تصريح . وهكذا في بعث هذه الخميصة لأبي جهم. ويحتمل أن يكون من جنس قوله - صلى الله عليه وسلم - لغير هذا المقام عندما كان في الأكل ثوم ويصل: كُلْ فأني أناجي من لا تناجون. وهذا يقتضي أن يكون خاص به - صلى الله عليه وسلم - فمقام النبوة أن يكون أكمل الخلق بين يدي الله - عز وجل - والأصل في الحديث العموم وليس خاصًا به. فالصور والأشياء الظاهرة لها تأثير في القلوب الطّاهرة فهذه الاعلام أثرت في نفسه - صلى الله عليه وسلم - وقلبه. بل استدل بعضهم على هجران كل ما يَصُدُّ عن سبيل الله. فهذا صَدٌّ او كاد؛ فتصرف به النبي - صلى الله عليه وسلم - . لذا ورد عند الطبري في تفسيره في قصة توبة الذين تخلفوا عن تبوك فورد عن أبي ابابة أنه قال: أن من التوبة أن أهجر دار قومي التي اصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي. ومثله أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قام في ذاك المكان واستيقظ وقد طلعت الشمس أمرَ بالارتحال منه. فقالوا أن كل ما يصد عن سبيل الله يجب هجره من دون أَنَّ يلحق به مشقة او ضرر. ومن عجيب ما وقفت عليه أن ابا طلحة الأنصَارِيّ كان يصلي في حائطه فطار طيرٌ فطفق يتردد يلتمس مخرجًا فأعجبه ذلك فجعل أبو طلحة يتتبعه في بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صَلَّى فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ما أصابه في حائطه من الفتنة وقال: يا رسول الله! هو صدقة لله فضعها حيث شئت. ذكر بعضهم أن أبا جهم كان رجلًا ضريرًا فارسل - صلى الله عليه وسلم - إليه بها؛ لأن العلة منتفية في حقه، وقالوا: وبهذا يجاب عما اورده بعضهم من أنها إذا ألْهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تُلهي ابا جهم. ولا أعرف مستندًا ولا دليلًا لمن زعم أن ابا جهم كان ضريرا، والجواب الاول اصوب ويؤكده قصة عطارد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت