فمن أراد الرقة في قلبه فعليه أَنْ يقلل من الكلام ؛ { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون } فالاعراض عن اللغو وقلة الكلام وحبس اللسان من أسباب الخشوع في الصلاة. فكان الأعمش قليل الكلام حتى قيل أنه يمكن كتابة كلامه لقلته وكان كلامه كله حِكَمٌ. ما صلة هذا التبويب بهذا الحديث ؟ له تتمة أخرجها البخاري عن الشعبي عن وراد كاتب المغيرة أَنَّ معاوية كتب للمغيرة أَنْ اكتب إليَّ بحديث سمعته من النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - . وهنا [في مسلم] قال أَنْ المغيرة كتب إلى معاوية . فيحمل هذا أَنَّ المغيرة كتب لمعاوية على اثر طلب معاوية لذلك فأملى المغيرة على وراد ذلك. فكتب إليه المغيرة إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: ( لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شَيْء قدير -ثلاث مرات- وكان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال ومنع وهات [1] وعقوق الأمهات ووأد البنات. وأعاد مسلم هذا الحديث في كتاب الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات(الامتناع من أداء حق إلا إِذَا ألزمه أو طلبِ ما لا يستحقه) وأورده من طريق الشعبي عن ورّاد كما أورده البخاري . وقلنا أَنَّ لمسلم ميزة على البخاري في أنه يورد الأحاديث اثر بعضها بعضًا ولا يوزعها في أكثر من كتاب إلا أنها ليست بمضطردة فكان يأخذ قطعة من حديث فيضعها فيما يناسبها من الإدراج ولكن هذا لا ينافي ما قلناها في أَنَّ مسلمًا لم يبوب في صحيحه فالتبويب تحصيل حاصل عنده فهو لم يذكر الأبواب إنما ذكر الأحاديث التي تخص بابًا واحدًا في مكان واحد -كما ذكر ذلك في مقدمة صحيحه- إلا أنه ربما كرر واعاد الأحاديث.
(1) المنع: أي منع أداء الواجبات لأصحابها، وهات: أي طلب ما ليس لكم فيه حق.