والعجب الشديد من الخلاف في وقوع أصله في حقه - صلى الله عليه وسلم - ؛ فبعض أرباب القلوب -على حد تعبير القاضي عياض في اكمال المعلم- قالوا إِنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينس ابدا في أي امر من امور الدين او الدُّنْيَا وإنما الذي فعله - صلى الله عليه وسلم - فعله عامدا ، ومستندهم في هذا احدى بلاغات مالك وهي من الأحاديث الضعيفة -وهي أضعف من المعضلات في المراسيل- وهو: إني لا أنسى وإنما أُنسَّى لأَسُنَّ . وهذا خطأ ؛ فقد ثبت في الصحيحين من الحديث الذي معنا: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون (ولم يقل لأَسُنَّ) فاذا نسيت فذكروني . والنبوة في حقيقة أمرها فعل من أفعال الله تعالى وهي تقبل التعليل والحكمة . اما من قال أنها لا تقبل كجهم بن صفوان -وهو مذهب الأشاعرة- فالله -كما زعموا- يضع النبوة فيمن شاء ، والنبي يمتاز عن النَّاس أَنَّ النَّاس يجب عليهم ان يؤمنوا بنبوته ، والواجب عليه أَن يخبرهم بأنه نبي فقط ؛ لذا قالوا ان النبوة تعلقها في الشخص تعلقٌ عرضيٌ وليس بتعلق حقيقي ، ويمكن ان تجري المعجزات على أيدي الممخرقين والكذابين والسحرة (حتى يحلوا الإشكال المعلق بما يحصل من هؤلاء من خوارق للعادات) ، وقد يضع الله النبوة في أدناهم وأخسهم ، فإذا اختاره: ارتفع مقامه بهذا الامر العرضي .أهـ وهذا مبني على فرع عندهم وهو الجبر ، فالنبوة -عندهم- جبرية . ومنهم من رأى أَنَّ النبوة قدرية [أي أَنَّ] النبوة اكتساب تحصلها بمجاهدة وأعطاه الله اياها جرّاء عبادة وتطهير نفس وتزكية نفس . وبهذا قال الفلاسفة كابن سينا. وهذا كفر ؛ والصواب كما قال الله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ، فالأنبياء أطهر النَّاس معدنًا وسجيّة، فالاخلاق قسمان: خلق مكتسب وخلق غريزي . واسمعكم كلام شيخ السلام ابن تيمية في منهاج السنة يخص أصل المسألة فما يبنى على أصول ظاهرة عُرفَ الجيدُ من الردئ من كلام أهل العلم .