اما الخبر الغيبي فليس للعقل دور إلا أَنْ يفحص صحته فقط.، فإن ثبتت صحته: سَلَّمَ به. فلو أَنَّ اثنان ناما في نفس المكان والفراش فكل منهما رأى في المنام رؤيا احدهما سعيدة والاخرى غير سعيدة. والرؤيا حالة عارضة آنية تأتي للروح أثناء المنام. وكذا لو أَنَّ اثنان دُفنا في نفس القبر فإنا نعتقد أنه قد يكون حفرة من حفر النيران لأحدهما أو روضة من رياض الجنة في نفس الوقت. وكذا من أكلته السباع او الاسماك أو غرق في البحار فإنه يعذب عذاب القبر. فمن ينكر عذاب القبر فهو إما لا يعرف الروايات ولا يفحص الحديث فهو يتعدى على أهل الاختصاص في اختصاصهم من أهل العلم الذين يثبتون ويتقنون ويحسنون، واستقرأؤا وفحصوا وسبروا وخرّجوا. وأما أَنْ يجعل عقله حكمًا مما لا ينبغي أَنْ يكون. وقد ذكرت لكم أَنْ أحدهم قال لي هات لي أي حديث من البخاري فأرُده لك . قلت: ما وضع البخاري حديثًا إلا صلّى ركعتين لله رب العالمين. كما أَنَّ له منزلة عند علماء الحديث كمنزلة الجبال الرواسي فمن منهم أحد انتقد منه حرفًا إلا جبن عند انتقاده. وقد سألت شيخنا عن انتقاده للبخاري فكان يقول: ما انتقدت شَيْئًَا فيه إلا وأنا مسبوق في ذلك من غيري من أهل العلم. وقال ابن الصلاح في علوم الحديث: جميع ما في الصحيحين صحيح سوى أحرف يسيرة تُكلم فيها. فنقول لمثل هذا: لك عقل وبارك الله لك فيه وأعاذك من شره ، وغيرك له عقل فما يقبله عقلك لا يقبله غيره والعكس صحيح. فهو أمر نسبي يختلف باخلاف الاشخاص،فأيهما هو الْحَكَمُ؟! عقلُ المحدّث المنضبط وفق قواعد الصنعة الحديثية ، ولديه الخبرة والملكة المكتسبة من خلال الممارسة ، فهم يحكِّمون بالنُّكرة ومخالفة الثقة لمن هو أوثق منه ومخالفة الواحد لمن هم أكثر منه عددًا . ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية فلقد قال: العقل شاهد والشرع قاضٍ ويجوز للقاضي أَنْ يطرد الشاهد متى شاء . وكان يقول: الشرع ولى العقل ثم عزله.