وروى مسلمٌ في صحيحه عن أبي الزبير أنَّه سمع جابرَ بن عبدالله - رضِي الله عنهما - يسأل عن المهلِّ، فقال: سمعت - أحسبه رفَع الحديث إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخَر الجحفة - يعني: الشام - ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرقٍ، ومُهَلُّ أهل نجد من قرنٍ، ومُهَلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم ) ) [3] .
وأمَّا حديث النسائي فروَى في سننه عن عائشة - رضِي الله عنها - قالت: (( وَقَّتَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرقٍ، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل اليمن يلملم ) ).
قال المحقِّقون من أهل العلم عن هذا الحديث: لا شَكَّ في صحَّة سنَدِه ومَتْنِه.
قال الخطَّابي - رحمه الله: (( ومعنى التحديد في هذه المواقيت ألا تُتعدَّى ولا تُتجاوز إلا بإحرام ) ).
قلت: فمَن أتى على أحدِ هذه المواقيت، أو حاذاه - برًّا أو بحرًا أو جوًّا - وهو مُريدٌ للحج أو العُمرة؛ لزمه الإحرامُ بما نوى، ولا يحلُّ له مجاوزته بغير إحرامٍ.
وقال غيرُ واحدٍ من أهل العلم: لما كان بيتُ الله تعالى مُعظَّمًا مُشرَّفًا جعَل الله له حِصنًا وهو مكَّة، وحمى وهو الحرم، وللحرم حرمًا وهو هذه المواقيت حتى لا يجوز لمن دون هذه المواقيت أنْ يتجاوزها إلا بإحرامٍ؛ تعظيمًا لبيت الله الحرام، وقد ورَد الشرع بكيفيَّة تعظيمه، وهي الإحرام على هيئةٍ مخصوصة، فإنَّ ذلك من تعظيم حُرمات الله وشعائر دِينه، وقد قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30] ، {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .