قلت: وقد أوضح الله - تبارك وتعالى - في سِياق ذِكر فرْض الحجِّ على الناس وإيجابه عليهم بشرْطه، محاسن البيت وعظم شأنه بما يدعو النُّفوس الخيِّرة إلى قصْده وحجِّه؛ فقال سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96، 97] الآية، وفي موضع آخر أخبَر سبحانه أنَّه إنما شرَع حجَّ البيت: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ... } [الحج: 28] الآية، وكلُّ ذلك ممَّا يدلُّ على الاعتناء به والتنويه بذِكره والتعظيم لشأنه، والرِّفعة من قدْره، ولو لم يكنْ إضافته إليه سبحانه بقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26] ، لكفى بذلك شَرَفًا وفَضْلًا.
فهذه النُّصوص وأمثالها هي التي أقبَلتْ بقُلوب العالمين إليه حبًّا له وشوقًا إلى رُؤيته فلا يرجع قاصدُه منه إلا وتجدَّد حنينُه إليه وجَدَّ في طلَب السبيل إليه.
أمَّا مَن كفَر بنعمة الله في شرعه وأعرَضَ عنه وجَفاه فلا يضر إلا نفسه، ولن يضرَّ الله شيئًا: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] ، فله سبحانه الغِنَى الكاملُ التام عن كلِّ أحدٍ من خَلقِه من كلِّ وجه وبكلِّ اعتبار، فإنَّه سبحانه هو: (( الغني الحميد ) ).
الفورية في أداء الحج:
مَن اكتملت له شُروط وجوبِ الحج، وجَب عليه أداؤه فورًا عند أكثر أهل العلم.
والفوريَّة: هي الشُّروع في الامتثال عقب الأمر من غير فصْل، فلا يجوزُ تأخيره إلا لعذرٍ، ويدلُّ على ذلك ظاهرُ قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .