الأحاديث الدالَّة على فضْل الله على العُمرة وعظيم ما رتَّب الله عليها من الثَّواب، تدلُّ على فضْل الإكثار من الاعتمار، وأنَّه ليس للعمرة وقتٌ خاصٌّ بها لا تصحُّ إلا فيه، بل كلُّ السَّنة وقتٌ لها سوى أيَّامِ الحج.
وحديث عائشة - رضي الله عنها - الثابت في الصحيحين وغيرهما، أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أعمرها من التَّنعيم [5] ، سوى عُمرتها التي كانت أهلَّت بها معه - أصلٌ في جَواز وُقوع عُمرتين في شهرٍ واحد أو أقل، ويدلُّ على التفريق بين العُمرة والحج في التكرار في نفس العام، فمن فضْل الله تعالى على عِباده أنَّ العُمرة لا تختصُّ بوقتٍ من العام دُون وقتٍ، بل تفعلُ سائر شُهور السَّنة.
وقد استَحبَّ بعضُ أهل العلم وُقوعَ العُمرة في رمضان، وأنَّه أفضل لأدائها من غيره؛ لما صحَّ أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمَر أمَّ معقل - لما فاتَها الحج - أنْ تعتمر في رمضان، وأخبرها أنَّ: (( عُمرة في رمضان تعدل حجَّة ) ) [6] ، وفي لفظ: (( معي ) )؛ أي: حجَّة مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فالحديث دالٌّ على فضْل العُمرة في رمضان، لكن قيَّدَه بعضُ أهل العلم فيمَن كان قد عزَم على الحج فلم يتيسَّر له لمرضٍ أو نحوه كما هو ظاهر في سِياق الحديث.
قلت: والأَوْلَى عدمُ التقييد؛ فإنَّ فضْل الله واسعٌ، لكن مَن كان قد عزم على الحج ولم يتمكَّن لمانعٍ منعه ثم اعتَمَر في رمضان كان أوفر حظًّا من هذا الفضْل، ومَن يكنْ كذلك فيُرجَى له ذلك فإنَّ للعبد على ربِّه ما احتسب.
وذهب جماعةٌ من أهل العلم أنَّ العُمرة في أشهُر الحج أفضل من عُمرةٍ في غير أشهر الحج؛ لأنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - اعتمر عُمَرَهُ كلَّها في أشهر الحج.
قلت: وأَذِنَ لعائشةَ - رضِي الله عنها - أنْ تعتَمِرَ بعدَ فَراغها من الحجِّ حين راجعَتْه في ذلك.