3 -حتى إنهم يُغْفَر لهم من السيئات ما لا يُغْفَر لغيرهم ممن بعدهم، وقد ثبتَ بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خيرُ القرون، وأنَّ الْمُدَّ من أحدِهم إذ تصدَّق به كان أفضلَ من مثل جبل أُحُد ذهبًا ممن بعدهم.
4 -ثم إذا كان قد صدَر عن أحدٍ منهم ذنبٌ فيكون قد تابَ منه، فإنهم أعظمُ الأمة خشية لله، ومسارعة إلى التوبة وأسباب المغفرة، وبُعدًا عن الإصرار.
5 -وأيضًا فإنَّ لهم من فضْل السابقة وعِظَم الحسنات الماحية، وغير ذلك مما خصَّهم الله به، مع ما ابْتُلوا به من المصائب المكفِّرة.
6 -ثم إنهم أيضًا أحقُّ الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من أسباب المغفرة.
فإذا كان هذا في الذنوب المحقَّقة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مُجتهدين مأْجُورين، المصيب له أجران؛ أجْرٌ على الاجتهاد وأجْرٌ على الإصابة، والمخطِئ له أجرُ اجتهاده، وخطؤه مغفور له؟!
ج ولذا أجمع أهل السُّنة والجماعة على وجوب السكوت عن الخوض في الفِتن التي جَرَتْ بين الصحابة رضي الله عنهم بعد مَقْتل عثمان رضي الله عنه والاسترجاع على تلك المصائب، والاستغفار للقَتْلى من الطَّرَفين، والترحُّم عليهم؛ قال أحد السلف لَمَّا سُئِل عن القتال بين الصحابة رضي الله عنهم: تلك دماءٌ وأشلاءٌ طهَّر الله منها أيدينا، فلا نلوِّث بها ألْسِنتنا، ثم قرأ قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]