فإذا تبيَّن أنَّ القيام من خِصال الخير، وعظيم الأجر، وجزيل الأجر، وأنَّه من خِصال التقوى، التي فرَض الله - سبحانه - الصِّيام لتحقيقها وتكميلها، وتحصيل عواقبها الطيِّبة وآثارها المبارَكة، ظهَر لك أنَّ الصِّيام والقِيام في رَمضان مُتلازِمان عند أهل الإيمان، فإنَّ القيام في رَمضان من الشَّعائِر العظيمة التي سنَّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله، ورغَّب فيها؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( مَن قام رَمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ) ) [12] .
وثبَت في الصحيح عن عائشة - رضِي الله عنْها - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في المسجد من جوف الليل، فصلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه ثلاثَ ليالٍ، فلمَّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله - أي: امتلأ من الناس - فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلمَّا أصبح قال - صلى الله عليه وسلم: (( قد رأيتُ الذي صنَعتُم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاَّ أنِّي خشيتُ أن تفرض عليكم ) ) [13] ، وذلك في رَمضان.
وفي هذا الحديث شفَقَةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمَّته وفيه حِرْصُ الصحابة - رضِي الله عنْهم - على السنَّة، ورغبتهم في قِيام الليل، وفي الصحيحين أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه ) )، وهذا من أدلَّة فضل قيام رَمضان، وخاصَّة العشر الأواخر منه، فإحياؤها من سنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - تحرِّيًا لليلة القدر؛ طلبًا لما فيها من عظيم الأجر.