فهكذا القدَر والقَضاء إذا ذُكِرَا جميعًا فُسِّرَ القدَر بسبق علم الله بالشيء وكتابته له، وفُسِّرَ القضاء بمشيئة الله تعالى للشيء وإيجاده - أي: خلقه - في وقته على الكيفيَّة التي أرادَ وعلى وفْق ما سبَق به علمه وجرَى به قلمه، فيكون القدَر إحاطة علم الله بالشيء سابقًا، والقضاء تنفيذ الشيء والفراغ منه لاحقًا.
وإذا ذُكِرَ أحدهما في النص وحدَه فُسِّرَ بمعناه ومعنى الآخر جميعًا، فيفترقان في المعنى عند الاجتماع، ويتَّفقان عند الافتراق.
كيفيَّة الإيمان بالقدَر:
الإيمان بالقدر هو: التصديق التامُّ والاعتقاد الجازم بدرجات القدر الأربع، فيُؤمِن العبد:
1 -بعلم الله القديم بالأشياء قبلَ كونها على ما هي عليه، وأنَّه تعالى عَلِمَ ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فقد أحاط الله تعالى بكلِّ شيءٍ علمًا، وعلمُه تبارك وتعالى غير مسبوقٍ بجهلٍ، ولا يعرض ولا يعقبه نسيان أو ذهول؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت:62] ، وقال تعالى: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52] .
2 -ويؤمن بأنَّ هذا العِلمَ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ - الذي هو الذِّكر - فإنَّ الربَّ تبارك وتعالى خلَق القلم فأمَرَه بكتابة المقادير إلى يوم القيامة، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وكان ذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاءَتْ به الأحاديث الصحيحة؛ قال تعالى: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر:53] ؛ أي: مكتوب مسطور في كتاب.
وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكتَب في الذِّكر كلَّ شيءٍ" [3] .