وقد مرَّ بكَ أيضًا أنَّه صلى الله عليه وسلم لعَن آكِلَ الربا، ومُوكِله، وكاتبه، وشاهدَيْه، وقال:"هم سَواء" [27] ، وأنت خبيرٌ أنَّ الإعانة بالمال أعظَمُ من الإعانة بالكتابة والشَّهادة، وهنا يتبيَّن لك أنَّ المال - والحالة هذه - فتنةٌ لا بُدَّ أن تتَّقي شره، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 15، 16] ، ولن تسلَمَ من شره إلاَّ بفعل ما أمَرَك الله به، واجتناب ما نَهاك عنه.
الثالث: المخاطَرة بالمال بوضْعه عند مَن يعصي الله به فيُحارِب الله به، ويَظلِم به عباده، وقد علمت أنَّ الله توعَّد أهلَ الربا بالمحق والحرب، فإذا أصابَ مالَهم المحقُ أصاب مالَك معهم؛ لأنَّ العقوبة إذا نزَلتْ عمَّت، وهذه البنوكُ في واقع الناس اليوم تُفلِس وتذهَب بأموال الناس، وكذلك تتعرَّض للسرقة والحرق وغير ذلك، وكذلك الأفراد الذين يُعامِلون بالربا يتعرَّضون لمثْل ذلك.
فأيُّ تفريطٍ أعظم من أنْ تضع مالَك عند مَن آذَنه الله بالمحارَبة، وتوعَّده بالمحْق وأليم العُقوبة، وأنت غير مُحتاجٍ حاجةً حقيقيَّة إلى ذلك، أمَّا المحتاج فهو معذورٌ إذا وضَعَه عندهم وهو كاره، والله يعلم أنَّه لو يجد مَجالًا غيرهم لما وضع عندهم شيئًا.