ولكن هاهنا أمر تجب مراعاته من كل مسلم وهو أن رخص الله تعالى ينبغي أن تقبل وتستعمل على نحو ما شرع وألا يذرع بها ويتوسل بها إلى شيء من المخالفات والبدع فلا يجوز أن تتخذ الرخصة سلمًا إلى المعصية ولا يحل لعاقل أن يتظاهر بعد التنسك لله بالتمرد عليه بالعود إلى المعصية فيكون {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} فيبارز ربه - الذي طالما أنعم عليه ولطف به - يوم العيد وما بعده من الأيام بالعصيان، فيكون من المتمردين على جبار السماوات والأرض متشبهًا بإبليس اللعين تمرد بعد النسك، فأبلس من كل خير وخسر وهلك، كأولئك الذين يجاهرون يوم العيد وما بعده بترك فرائض الصلوات ويبارزون الله تعالى بمنكرات الأصوات وشر الحالات والكل غدا بين يدي الله موقوفون وبأعمالهم مجزيون وعلى تفريطهم نادمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ} .
وكم من ظالم يعض - حينئذ - أصابع الندم قائلًا: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} فليحذر العاقل أن يكون من هذا الصنف المذموم الملوم.
وحقيقة ناصعة لا ينبغي أن تغيب عن البال وهي أن شهر رمضان بما شرع الله فيه من جلائل الطاعات وأنواع القربات بمثابة دورة تدريبية يتكثف فيها العمل وتتضاعف فيه المثوبة حتى يعتاد المسلم الخير ويتحلى بالاستقامة ويتأهل للحسنى بحيث يفترض أن يكون العمل الصالح سجية للمسلم لأنه طالما إعتاده وألفه وأحبه، لإيمانه بحسن عاقبته وعظم مثوبته وشؤم مخالفته.