الرابع: أن قائل تلك المقالة يعلم هو وغيره أنه ليس معدودًا من أهل الاجتهاد والفتوى الذين يُعْتَدُّ برأيهم ويُصْدَر عنهم، ولاسيما في مقالةٍ خالف قائلها جمهور علماء وصالحي الأمَّة، وفتح بها على الناس باب شرٍّ وفتنة وشماتة.
الخامس: أنه لم يسبقه إلى ما أباحه من الغناء والمزامير وآلاته إلا من شَذَّ رأيُه، أو ضَعُفَ دليلُه أو عَقلُه، أو ساء فَهمُه للأدلَّة، أو نُسِبَ إلى هوى، أو رُمِيَ ببدعة، أو اشتُهر بشذوذٍ أو فِسقٍ، أو شخص لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، وإلا فإن نصوص الكتاب والسُّنة معصومةٌ من أن تَدُلَّ على إباحة الغناء وآلاته، الذّيْن هما من الباطل.
يعرف هذا كلُّ أحدٍ من أهل الفِطرة والدِّين، فإن نصوص الكتاب والسُّنة حقٌّ، ولا تهدي إلا إلى الحقِّ، ومعصومةٌ من أن تدُلَّ على باطلٍ أو تؤيِّد مَن يدعو إلى الباطل، فلا يُستدلُّ بها مُبطِلٌ على باطِلِه - وأن ظنَّ أنه مُحِقٌّ - فأنها عليه لا له، ولو سألتَ من الناس شخصًا سليم الفِطرة، صحيحَ الدِّين عن الغناء والمزامير: أهُما من الحقِّ أم من الباطل؟ أجابك بَداهةً بأنهما من الباطل، كما استفتى رجلٌ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما - حَبر الأمَّة وتُرجمان القرآن - عن الغناء؛ فقال له ابن عباس:"أهو من الحقِّ أم من الباطل؟"فقال: من الباطل؛ فقال له ابن عباس:"اذهب؛ فقد أفتيتَ نفسَكَ"فإن الباطل وأهله في النار.