العرب" [1] . وقدّم محب الدّين في الزّهراء مقالات كثيرة, كانت غايتها الأساسيّة بيان دور العرب في الحضارة الإنسانيّة, وأحقّيتهم واستحقاقهم لمتابعة المسيرة الحضاريّة, والرّدّ على كلّ من يحطّ من قدرهم, أو يحاول تشويه صورتهم والاستخفاف بهم. وحرص على أن ترد في مجلّته الزّهراء الحقائق في علوم العرب, وآدابهم, وتاريخهم, وفي مقوّمات الحضارة الإسلاميّة وأدوارها, مستعينة من جهة بأقلام أهل العقيدة القوميّة من رجال الاختصاص, ومثابرة من جهة أخرى, على نقل ما كتبه المتعرّبون والمستشرقون, من الإفرنج في هذه الموضوعات [2] . وكان السّيّد محب الدّين حريصًا على إبراز هذه العناصر, حتّى من خلال انتقائه للعنوان الّذي يُورد تحته الخبر الّذي يخصّ الأمّة العربيّة."
كانت المجلّة تبدأ بمقالة لمنشئ الزّهراء, يليها مقالات لكبار الكتّاب والشّعراء. وكانت هذه المقالات تتحدّث في شتّى الموضوعات, القوميّة, والعربيّة, والأثريّة, والبحثيّة, والدّراسات الأدبيّة. بالإضافة إلى قصائد شعريّة تمجّد العروبة والاستقلال وتتغنى بالأوطان. ثمّ يأتي باب حركة النّشر والتّأليف, يعرض لأهمّ الكتب الّتي ظهرت حديثًا في المكتبات أو في المطبعة السّلفيّة, ويعطي لمحة عامّة عن الكتاب, وثمنه, وناشره, ومؤلّفه. ثمّ يأتي بعد ذلك باب أنباء اجتماعيّة, يُورد فيه أخبار البلاد العربيّة والعالم الإسلاميّ والمجتمع الإسلاميّ والعربيّ, من مثل مقال:"الماء في القدس", أو مقال"الأميرسعود في مصر", أو مقال"الجيش الإيراني", وغير ذلك من الأخبار والمقتطفات, الّتي يرى فيها ما يهمّ المسلمين من أخبار العالم ككلّ.
وكتب الشّاعر أحمد زكي أبو شادي [3] للسّيّد محب الدّين قصيدة بمناسبة إنتقال الزّهراء من مكانها الأوّل إلى شارع الاستئناف, وذلك بعد أن توسّعت, وكان مقرّها الجديد في دار كانت مقرًّا لصحف ومجلّات هامّة. فعبّر فيها الشّاعر عن تقديره للسّيّد محب الدّين, ولعمله في نشر مجلّته الزّهراء, قال فيها:
جدّدت بالزّهراء فجر شبابي ... وأعدت لي صورًا من الأحباب
قسمًا محب الدّين مثلك أُنسه ... يُنسي عديم الحظّ كلّ طلاب
بالأمس كنت مذكّري بطفولتي ... في مجمع العرفان والآداب
واليوم تنشرها حياةً غضّةً ... في معهدٍ جدرانه أولى بي
قد كان مدرسة الصّحافة وقته ... وأب البيان الباذخ الأحساب
وحظيرة الأدباء تجمع شملهم ... ومباءة الأعلام من كتّاب
والآن أنت على غرار نبوغهم ... تأتي فتفتح معلق الأبواب [4]
وبالفعل كانت الزّهراء مجلّة أدبيّة راقية, وكانت منارة لتمجيد اللّغة العربيّة, والدّفاع عنها وإبراز جمالها. وقد خطّ الخطيب فيها مقالات تتحدّث عن هذه اللّغة, وتبيّن عراقتها وجمالها, من مثل مقاله الّذي حمل عنوان"حول المعجم العربيّ", والّذي قال فيه:"إنّ الحالة الّتي كانت عليها كلّ اللّغات السّاميّة قبل ظهور الإسلام, تحملنا على القول, بكلّ جزم وتأكيد, أنّ اللّغة العربيّة أرقاهن, ومعنى هذا أنّها أعرقهن في القدم" [5] . وقال في مقال آخر:"نحن مع القائلين بأنّ لغة الأمّة دليل نفسيّتها, وصورة عقليّتها, بل هي أسارير الوجه في كيانها الإجتماعيّ الحاضر, وفي تطوّرها"
(1) ـ الرّيماوي, سهيلة ياسين,"جانب من فعاليات محب الدّين الخطيب, الجانب الصّحفي", في دراسات تاريخيّة,10 (33, 34/ 1989) , 39.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"الافتتاحيّة", في الزّهراء, 1 (15 محرّم , 1343) , 1.
(3) ـ أحمد زكي أبو شادي, دكتور في الطّب وشاعر وأديب, ولد في القاهرة 1309/ 1892, درس الطّب وعلّمه, انصرف إلى الأدب والشّعر. توفّي بواشنطن في أمريكا عام 1374/ 1955, وله مؤلّفات وأشعار كثيرة, ومن آثاره معشوقات ابن طولون, ومفخرة رشيد, والشّفق الباكي؛ انظر, كحّالة, عمر رضا, معجم المؤلّفين, 1, 226؛ وفلسطين, وديع, وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره, دمشق, دار القلم, 1424/ 2003, 1, 62.
(4) ـ أبو شادي, أحمد زكي, الشّفق الباكي, القاهرة, المطبعة السّلفيّة, 1345/ 1926, 523.
(5) ـ الخطيب, محب الدّين,"حول المعجم العربيّ", في الزّهراء, 2 (ربيع الأوّل والثّاني, 1344) , 148.