ومهما يكن, ومهما قيل عن أسباب دفعت الشّريف حسين إلى القيام بالثّورة, فإنّ الثّورة قد قامت, وكان السّيّد محب الدّين من الّذين اشتركوا فيها. وقد"طلبه الشّريف حسين بتعيين الاسم, والظّاهر أنّ الّذي زكّاه له هو الشّيخ كامل القصّاب ممثل العربيّة الفتاة, الّذي وصل الحجاز قبل الثّورة, وكان ذلك ببرقيّة صدرت في رمضان سنة 1334 هـ الموافق تموز 1916 م, أي في الأسابيع الأولى من قيام الثّورة" [1] . وقد التحق السّيّد محب الدّين بالثّورة يدفعه الإيمان والأمل بحياة أفضل وأكثر تطوّرًا وتقدّمًا للعرب والمسلمين. وكان عمل السّيّد محب الدّين في الحجاز هو تأسيس المطبعة الأميريّة, وإصدار جريدة القبلة الّتي كانت تنشر أخبار الثّورة, وتوضّح وجهة النّظر العربيّة وتنقلها إلى العالم.
حاولت السّلطات التّركيّة تهوين شأن هذه الثّورة, وإثارة الحملات الشّديدة ضدّها وضدّ المشاركين فيها, فكان للسّيّد محب الدّين دور بارز في تفنيد هذه المزاعم, ومقابلة الحجّة بالحجّة. فالسّيّد محب الدّين كان من أشدّ المناصرين للثّورة العربيّة, ومن أكثر المدافعين عنها. إلّا أنّه وبعد فترة أحسّ أنّ الشّريف حسين كانت له غايات مختلفة عن الغايات الّتي شارك لأجلها أحرار العرب في الثّورة, ويظهر لنا هذا في قوله:"من مظاهر التّعارض بين الغاية الشّخصيّة الّتي قام الملك الحسين لأجلها, وبين الغاية القوميّة الّتي لبّى رجال الأمّة العربيّة دعوة الملك حسين لتحقيقها, أنّ هؤلاء الرّجال كانوا يرون وجوب المبادرة إلى استعمال كلّ قوى الأمّة العربيّة لتكوين الدّولة الجديدة, فحاولوا أن يقنعوا الملك حسينًا, بكلّ طرق الإقناع, أن يسمح لهم بالسّعي لدى أمراء العرب لتأسيس روابط بين الجميع, أساسها بقاء كلّ واحد منهم مستقلًّا في شؤونه الدّاخليّة واشتراكهم جميعًا في الشّؤون العامّة برياسة الحجاز. [وقد حاول الشّيخ محمّد كامل القصّاب التّوسّط لدى هؤلاء الأمراء لتحقيق"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 65.