فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 446

أربطهم جأشًا , ومن مزاياه عزيمته الفولاذيّة, وقد يلين الفولاذ ولا تلين له عزيمة , ويمتاز الملك حسين بذكائه النّادر في فهم شؤون الحجاز, واستكشاف ضمائر المكّيين" [1] . وحتّى عندما أراد السّيّد محب الدّين الخطيب أن يغادر الحجاز, استأذن من الشّريف حسين فأذن له, وأصحبه بكتاب وصاة كتبه بخطّه, وقلّما كان يكتب مثله, وفيه الثّناء الجمّ على السّيّد محب الدّين [2] ."

لكنّ السّيّد محب الدّين, مثل كثير غيره من أحرار العرب, صُدم بما رآه من حرص الملك حسين على مصالحه, وتفريطه بكلّ الفرص المتاحة للتّحالف مع جيرانه العرب, لزيادة القوّة, وضمان الوحدة, ولعدم فهمه للأوروبيين, ولحسن ظنّه بهم حتّى استطاعوا خداعه وخداع العرب, ولو"كان العرب قد علموا من قبل ما قد تمّ من عقد المعاهدة السّريّة في شهر أيّار من السّنة الخالية بين بريطانية وفرنسا, لما قدحوا لثورتهم زنادًا, ولا أضرموا لها نارًا" [3] . لذلك فقد انقلب موقف السّيّد محب الدّين من مؤيّد للثّورة العربيّة ومتحمّس لها, وعامل على إنجاحها, من خلال عمله في جريدة القبلة, وكتابته لافتتاحيّاتها, وتبنّيه لأفكار الثّورة في مقالاته, وفي أفعاله ومشاركته للملك حسين كمستشار له بصفته من أعضاء الجمعيّة العربيّة الفتاة, إلى رجل رأى أن يغادر الملك حسينًا, لأنّه وجد أن لا سبيل إلى إصلاحه, ووجد أنّ من واجبه أن يعود إلى وطنه ليدافع عنه ضدّ اتفاقيّة سايكس بيكو وضدّ الأطماع الفرنسيّة فيه.

وصل السّيّد محب الدّين سوريا سنة 1919 م, بعد دخول القوات العربيّة إليها, وتولّى في دمشق تحرير جريدة العاصمة, وهي الجريدة النّاطقة باسم الحكومة العربيّة, كما بيّنا, وقد عمل في هذه الجريدة, وكان حماسه واضحًا للدّولة العربيّة, من خلال مقالاته الّتي كانت تعبّر عن انتماءه الشّديد للعروبة, وكان يشعر بأنّ حلمه بتكوين

(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"الحسين بن علي كما رأيته في ثلاث سنوات", في الزّهراء, 1 (ربيع الأوّل, 1343) , 194.

(2) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 72.

(3) ـ ستودارد, لوثروت, حاضر العالم الإسلاميّ, تعليق شكيب أرسلان, ترجمة عجاج نويهض, القاهرة, المطبعة السّلفيّة, 1343, 2, 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت