مقدّمتهم الطّلاب المدنيون والعسكريون الّذين يدرسون في استانبول العاصمة, بالحسّ الوطني, فألّفوا الجمعيّات السّريّة, الّتي تنادي بالقوميّة العربيّة, وطالبوا بالحكم اللّامركزي في سوريّة والعراق, واستعمال اللّغة العربيّة في المدارس ودور الحكومة والقضاء. وعُقد المؤتمر العربيّ في باريس سنة 1913 م, فلم تخرج مقرراته عن تلك المبادئ [1] .
4 ـ وبلغ الشّعور القومي ذروته, عندما قرّر العرب الثّورة على الأتراك لنيل الاستقلال عنهم, وتشكيل كيانهم القوميّ الموحّد بعدما دفعهم الإتحاديّون إلى الثّورة دفعًا, وقام العرب بثورتهم, ونالوا الاستقلال الّذي حلموا به, وشعر العرب لأوّل مرّة بأنّ لهم كيانًا مستقلًّا يجسّد طموحاتهم, ويجمعهم برابطة العروبة. إلّا أنّ فرحة العرب باستقلالهم لم تدم طويلًا وكانت خيبتهم كبيرة عندما استطاع المستعمرون الأوروبيّون الانقضاض على هذا الكيان وتمزيقه, واقتسامه كقطع متفرّقة زرعوا فيما بينها حدودًا مصطنعة, فرّقت بين العرب, وأصابتهم بخيبة أمل عظيمة.
5 ـ وكان طمع الأوروبيين في السّلطنة العثمانيّة من أهمّ العوامل الّتي أوصلت العلاقة بين العرب والترك إلى ما وصلت إليه من السّوء, فقد أظهرت الأيّام أن هؤلاء الأوروبيين قد خططوا منذ زمن بعيد للاستيلاء على البلاد العربيّة, ويدلّ على ذلك اتفاقيّة سايكس بيكو ووعد بلفور, الّلذان أظهرا بشكل فاضح نوايا هؤلاء للسّيطرة على هذه البلاد. لذلك فقد عملوا ما في وسعهم لتشجيع العرب على الانفصال والقيام بالثّورة.
ويتّضح لنا مما سبق أنّ من الأسباب الّتي أدّت إلى ظهور القوميّة العربيّة كان التّخلّف الّذي سيطر على الدّولة العثمانيّة, والّذي دعا المفكّرين من أبناء الدّولة إلى محاولة معرفة أسبابه, والتّغلّب عليها للنّهوض بالأمّة. وكان لانتشار التّعليم, والتّماس المباشر مع النّهضة الأوروبيّة, ومعرفة الفرق الشّاسع بين الشّرق الغارق في نومه, والغرب النّاهض والمتحفّز, أثر كبير في السّعي الحثيث للإصلاح. غير أنّ هذا الإصلاح لم ينجح, مما أدّى إلى قيام الثّورة, وإعلان الدّستور, الّذي علّق عليه العرب آمالًا كبيرةً من أجل الإصلاح والتّقدّم. بيد أنّ الإتحاديّين خيّبوا هذه الآمال, واتّخذوا من الاستبداد والضّغط والاحتقار وسيلتهم لإرضاخ القوميّات الأخرى, ولم ينتبهوا إلى أنّ هذه السّياسة هي الّتي ستدفع هذه الشّعوب ومن بينها العرب إلى المطالبة بحقوقها وقوميّتها.
وقامت الثّورة العربيّة الكبرى, وحصل العرب على استقلالهم, وبهذا وصل العرب مبتغاهم بتحقيق كيانهم القوميّ المنشود. غير أنّ الأمور لم تجرِ بالسّهولة الّتي تصوّروها, فقد كان الأوروبيّون يخطّطون منذ زمن للاستيلاء على هذه البلاد, واستطاعوا القيام بذلك. وكان من نتائج هذا الاستيلاء تجزئة البلاد العربيّة, مما نقل الشّعور القوميّ من كونه لاحمًا للمجتمع العربيّ بعد الاستقلال عن العثمانيين, إلى أن صار حركة سياسيّة هدفها مقاومة التّجزئة والدّعوة للوحدة وذلك بعد الإحتلال الأوروبيّ [2] .
وجدت القوميّة العربيّة نفسها في مواجهة دعوات إقليميّة قوميّة, كانت من نتائج التّجزئة, كالدّعوة إلى القوميّة السّوريّة والمصريّة وغيرهما. كما وجدت أنّها بحاجة إلى تعريف دقيق لمفهوم القوميّة, والّتي جعلت من العروبة أهمّ رابطة تجمّع العرب على اختلاف بلدانهم. ويعتبر الشّيخ رفاعة رافع الطّهطاوي [3] من أوائل العلماء الّذين
(1) ـ بصيري, مير, أعلام الوطنيّة والقوميّة العربيّة, لندن, دار الحكمة, 1999, 26.
(2) ـ الخطيب, محمّد كامل, القوميّة والوحدة, دمشق, منشورات وزارة الثّقافة, 1994, 1, 1 ـ 8.
(3) ـ رفاعة رافع الطّهطاوي, ولد بطهطا من أسرة شريفة, وتأدّب وتعلّم في الجامع الأزهر, ثمّ اُنتخب إمامًا لبعض فرق الجيش, بُعث إلى فرنسا 1241 هـ, وعاد سنة 1247 هـ, اشترك في إنشاء جريدة الوقائع المصريّة ثمّ صار مديرًا لمدرسة الألسن والتّرجمة, وتولّى إدارة مجلّة روضة المدارس المصريّة. عكف على التّرجمة والتّأليف حتّى توفّي سنة 1290 هـ, وآخر ما ألّفه كتاب نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز؛ انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 3, 29؛ وكحّالة, عمر رضا, معجم المؤلفين, 4, 168.