وهناك روابط أخرى تربط العرب مع بعضهم على اختلاف بلدانهم, مثل المصالح المشتركة والتّراث المشترك, والتّاريخ المشترك. هذه الرّوابط كافية, في رأيه, لتجعل للعرب كيانًا قوميًّا واحدًا متّصلًا. فالقوميّة في الحضارات يستمدّها أهلها من لغتهم المشتركة ومن مصالحهم المشتركة ومن سجاياهم الخلقيّة المشتركة, ومن تراثهم الثّقافي والتّاريخي المشترك, ومن تعاونهم جميعًا على النّهوض بهذه المواريث, والاستعانة بها وبالعلم العالمي على إعداد مستقبل نبيل وسعيد. فالعراقيّ عراقيّ وطنًا, وعربيّ قوميّة, والمصريّ مصريّ وطنًا, وعربيّ قوميّة, واليمنيّ يمنيّ وطنًا وعربيّ قوميّة, وهكذا سائر الأوطان الّتي تألّفت من أبنائها جامعة الدّول العربيّة. وإذا تعددت أوطان الأمم الّتي شُيّدت في هذا الشّهر بيان جامعة العرب, فإنّها أجزاء وطن كبير متّصل بعضه ببعض من أقصاه إلى أقصاه. ويكمّل بعضه بعضًا, بمحاصيله, ومواهب أبنائه, وبمشاهده الطّبيعيّة, ومدّخراته المعدنيّة والإلهيّة. وهو مع هذا الاتصال الجغرافيّ, والكمال الاقتصاديّ والطّبيعي, واحد بلغة القرآن, وواحد بالمصالح المشتركة, وواحد بالتّراث الأدبيّ والثّقافيّ, وواحد بما أمدّه به هذا التّراث في مئات السّنين من سجايا وأخلاق ذات أصل واحد [1] . فإذا كانت القوميّات في العالم لا تشترك إلّا ببعض الرّوابط الّتي تجمعها فإنّ العرب يملكون من الرّوابط القوميّة ما يجعلهم في مقدّمة الشّعوب الّتي تستحقّ أن يكون لها كيان قوميّ واحد, يجمعهم ويوحّدهم في وطن واحد متّصل, فالاتصال الجغرافي, والتّاريخ المشترك, واللّغة المشتركة, والدّين الواحد, كلّها روابط تجمع هؤلاء العرب مع بعضهم بعضًا, فلا أقلّ من أن يكون لهم حكومة واحدة تحكمهم, وتتقدّم بهم في الحياة.
والقوميّة العربيّة, مثل كلّ قوميّة أخرى على وجه الأرض لها مطمح يسعى المتنوّرون من أبنائه بخطوات حكيمة للوصول إليه في وقته المرهون, ولا يبالون أن يكون ذلك بعد عشرات السّنين, أو أكثر من ذلك. ومن المسلّم به أنّ لكلّ أمّة حقّها
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"من هو العربيّ؟ وما هي الرّسالة الّتي يحملها إلى إنسانيّة الغد؟", في الفتح, 821 (ربيع الآخر, 1364) , 324.