قال ابن القيم -رحمه الله-:"وحرم الأم من الرضاعة فيدخل فيه أمهاتها من قبل الآباء والأمهات وإن علون، وإذا صارت المرضعة أمه، صار صاحب اللبن [1] أباه، وآباؤه أجداده، فنبه بالمرضعة صاحبة اللبن التي هي مودع فيها للأب على كونه أبًا بطريق الأولى، لأن اللبن له، وبوطئه ثاب، ولهذا حكم رسول الله» بتحريم لبن الفحل [2] ، فثبت بالنص وإيمائه انتشار حرمة الرضاع إلى أم المرتضع وأبيه من الرضاعة، وأنه قد صار ابنًا لهما، وصارا أبوين له، فلزم من ذلك أن يكون إخوتهما وأخواتهما خالاتٍ له وعمات، وأبناؤهما وبناتهما إخوة له وأخوات، فنبه بقوله {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} [3] ، على انتشار حرمة الرضاع إلى إخوتهما وأخواتهما، كما انتشرت إلى أولادهما، فكما صاروا إخوة وأخوات للمرتضع، فأخوالهما وخالاتهما أخوال وخالات له، وأعمام وعمات له: الأول بطريق النص، والآخر بتنبيه، كما أن الانتشار إلى الأم بطريق النص، وإلى الأب بطريق تنبيهه، وهذه طريقة عجيبة مطردة في القرآن لا يقع عليها إلا كل غائص على معانيه ووجوه دلالاته، ومن هنا قضى رسول الله» أنه (( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) ) [4] ، ولكن الدلالة دلالتان: دلالة خفية ودلالة"
(1) - وهو الزوج، أو السيد إن كانت جارية.
(2) - رواه البخاري: كتاب النكاح، باب لبن الفحل، ح (5103) . ورواه مسلم: كتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، ح (1445) ،. كلاهما من رواية عروة بن الزبير عن عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة.
(3) - سورة النساء، آية (23) .
(4) - رواه البخاري كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب ح (2645) ، ومسلم: كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة ص (1447) .