ثم بين ابن القيم أن التحقيق في معنى الآية شمولها للأقوال الثلاثة التي ذكرها، وهو قريب من كلام إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري فقد قال -بعد أن ساق الأقوال-:"والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره قال {وَابْتَغُوا} بمعنى: اطلبوا {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني الذي قضى الله تعالى لكم، وإنما يريد الله تعالى ذكره: اطلبوا الذي كتبت لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح فيطلق لكم، وطلب الولد إن طلبه الرجل بجماعه المرأة مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، وكذلك إن طلب ليلة القدر فهو مما كتب الله له، وكذلك إن طلب ما أحل الله وأباحه فهو مما كتبه له في اللوح المحفوظ، وقد يدخل في قوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} جميع معاني الخير المطلوبة غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد لأنه عقيب قوله: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} بمعنى: جامعوهن، فلأن يكون قوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الولد والنسل أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل ولا خبر عن الرسول»" [1] وقد بين ابن القيم كذلك وجه تعلق قول ابن عباس -رضي الله عنهما- أن المقصود: ليلة القدر، بإباحة مباشرة أزواجهم، وهو الإرشاد إلى أن لا يشغلهم إباحة المباشرة لأزواجهم عن طلب هذه الليلة، وذكر الإمام الرازي وجهًا آخر في توجيه هذا القول، فقال:"... أن الإنسان ما دام قلبه مشتغلًا بطلب الشهوة واللذة، لا يمكنه حينئذ أن يتفرغ للطاعة والعبودية والحضور، أما إذا قضى وطره وصار فارغًا من طلب الشهوة يمكنه حينئذ أن يتفرغ للعبودية، فتقدير الآية: فالآن باشروهن حتى تتخلصوا من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص في العبودية، وإذا تخلصتم منها فابتغوا ما كتب الله من الإخلاص في العبودية"
(1) - تفسير الطبري، [2/ 170] .