للتأليف [1] والمناظرة والفتاوى. وكان رحمه الله مثالًا للعالم الرباني متصفًا بالخلق كثير التودد، لا يحسد أحدًا ولا يؤذيه [2] ،كما صحب ذلك منه كثرة في العبادة، وشغفًا بالمحبة، والذكر والاستغفار والافتقار إلى الله والانكسار له، كل ذلك مع زهد وورع [3] ، قال الحافظ ابن رجب:"وحجَّ مرات كثيرة، وجاور بمكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه" [4] ، ومن أراد معرفة هذا الجانب عنده فلينظر في كتابه (مدارج السالكين) ليقف على طرف من ذلك، ومع هذا كله فقد كان رحمه الله متواضعًا غير معجب ولا متفاخر بمكانته وعلمه، وكثيرًا ما يردد في كتبه عبارات تدل على ذلك فمن ذلك قوله:"... نشير إلى ذلك بحسب علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة، ولكن نحن أبناء الزمان، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكل زمان دولة ورجال" [5] ، وقال أيضًا:"وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لاإله إلا هو، أولًا من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة، ولكن محبه القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم، ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة" [6] . كما كان منقادًا للحق نابذًا للتعصب والتقليد، ويظهر
(1) سيأتي في مطلب: مكانته العلميه، ذكر طائفة من مؤلفاته.
(2) البداية والنهاية [14/ 234] .
(3) ذيل طبقات الحنابلة [2/ 448] .
(4) ذيل طبقات الحنابلة [2/ 449] .
(5) إعلام الموقعين [4/ 201] ، وغير هذا الموضع مما تضمن مثل هذه العبارات انظر: مثلا: زاد المعاد [4/ 12] ، إغاثة اللهفان [1/ 487] ، بدائع الفوائد [4/ 169] .
(6) طريق الهجرتين: [373] .