فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 534

الربانية [1] ، فمُنع هلاك الناس ابتداءً واستيفاءً، ولا ريب أن من المسلَّمات عند جميع الملل البشرية على اختلاف أجناسها ودياناتها؛ أن ردع الجناة والمفسدين مستحسن في العقول، موافق للمصالح، ولا يمكن أن تكون هناك فائدة للعقوبة إلا إذا كانت بمؤلم يردعهم عن جنايتهم كل على حسب جريمته، ومن حكمة هذه الشريعة العظيمة التي قد بهرت العقول، أنها لم توقع العقوبة بالقتل إلا إذا انتهت الجناية إلى غاية القبح كالجناية على النفس أو الدِّين أو الجناية التي ضررها عام، قال أبو السعود في تفسيره:" {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} بيان لمحاسن الحكم المذكور على وجه بديع لا تناله غايته، حيث جعل الشيء محلًا لضده، وعرَّف القصاص ونكَّر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس نوعًا من الحياة عظيمًا لا يبلغه الوصف" [2] ، وقال الإمام السعدي:"أي تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قَتل لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رؤي القاتل مقتولًا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل لم يحصل انكفاف الشر الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية فيها من النكاية والانزجار ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكر الحياة لإفادة التعظيم والتكثير، ولما كان هذا الحكم لا يعرف حقيقته إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة؛ خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى يحب من عباده أن يعملوا أفكارهم وعقولهم في تدبر ما في أحكامه من الحِكَم والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد"

(1) - انظر في هذه المناسبة بين الآيتين كلام ابن القيم في مفتاح دار السعادة [2/ 136 - 137] . والتفسير الكبير، للفخر الرازي [5/ 48 - 49] .

(2) - تفسير أبي السعود [1/ 196] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت