إنما هي في العدل وهو أن يُفعل به كما فَعل ... ونكَّر سبحانه الحياة تعظيمًا وتفخيمًا لشأنها، وليس المراد حياة ما، بل المعنى أن في القصاص حصول هذه الحقيقة المحبوبة للنفوس المؤثرة عندها المستحسنة في كل عقل، والتنكير كثيرًا ما يجيء للتعظيم والتفخيم [1] كقوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} [2] وقوله: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ} [3] وقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [4] ثم خص أولي الألباب وهم أولوا العقول التي عقلت عن الله أمره ونهيه وحكمته إذ هم المنتفعون بالخطاب، ووازِن بين هذه الكلمات وبين قولهم: القتل أنفى للقتل، ليتبين مقدار التفاوت وعظمة القرآن وجلالته" [5] ."
وقد قارن بعض علماء البلاغة بين الآية وبين قول العرب (القتل أنفى للقتل) ، ولا شك أن الآية أحسن من قولهم هذا، وذكروا في المقارنة بينهما عدة وجوه من أهمها:
أولًا: أن قولهم (القتل أنفى للقتل) في ظاهره متناقض؛ لأنه جعل حقيقة الشيء منافية لنفسه، وإن قيل إن المراد منه أن كل واحد من أفراد هذا النوع ينفي غيره فهو أيضًا ليس أنفى للقتل قصاصًا بل أدعى له، وإنما يصح إذا خصص فقيل: القتل قصاصًا أنفى للقتل، فيصير كلامًا طويلًا مع أن التقييدات بأسرها حاصلة في الآية.
ثانيًا: أن القتل قصاصًا لا ينفي القتل ظلمًا من حيث إنه قتل، بل من حيث إنه قصاص، وهذه الجملة غير معتبرة في كلامهم.
(1) - انظر: الكشاف، للزمخشري [1/ 248] ، والإيضاح في علوم البلاغة، للخطيب القزويني، ص [51] .
(2) - سورة آل عمران، آية (133) .
(3) - سورة التوبة، آية (72) .
(4) - سورة النجم، آية (4) .
(5) - مفتاح دار السعادة، ابن القيم [2/ 137 - 138] .