ثالثًا: أن حصول الحياة هو المقصود الأصلي، ونفي القتل إنما يراد لحصول الحياة، والتنصيص على الغرض الأصلي أولى من التنصيص على غيره.
رابعًا: أن التكرار عيب، وهو موجود في كلامهم دون الآية.
خامسًا: أن حروف (في القصاص حياة) اثنا عشر، وحروف (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر.
سادسًا: أنه ليس في كلامهم كلمة يجمع فيها حرفان متلاصقان متحركان إلا في موضع واحد، بل ليس فيها الأسباب حقيقة متوالية، وقد عرف أن ذلك مما ينقص من سلاسة الكلام بخلاف الآية.
سابعًا: أن الدافع لصدور القتل عن الإنسان كراهته لذلك، وصارفه القوي عنه، حتى إنه ربما يعلم أنه لو قتل قتل، ثم لا يرتدع، وإنما رادعه القوي هو إما الطمع في الثواب أو الذكر الجميل، وإذا كان كذلك فليس أنفى الأسباب للقتل هو القتل بل الأنفى لذلك هو الصارف القوي، وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} لم يجعل القصاص مقتضيًا الحياة على الإطلاق بل الحياة منكرة، والسبب في هذا التنكير فائدة أخرى لطيفة وهي أن الإنسان إذا علم أنه إذا قَتل قُتل ارتدع بذلك عن القتل فسلم صاحبه، فصارت حياة هذا الموهوم قتله في المستقبل مستفادة بالقصاص، وصار كأنه قد حي في بقي عمره، ولذلك وجب التنكير، وامتنع التعريف من جهة أن التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من أصلها، وليس الأمر كذلك [1] .
(1) - انظر في هذه الوجوه وزيادة عليها: الإيضاح في علوم البلاغة، للخطيب القزويني، ص [174 - 175] . وسر الفصاحة، للأمير أبي محمد عبد الله بن محمد الخفاجي الحلبي ص [209] . وقد نقل هذه الوجوه بهذا النص: يسري السيد محمد، في كتاب (بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية) [1/ 382 - 383] وأحال على كتاب (الفوائد المشوق) بناء على أن الكتاب لابن القيم، وقد نقل دراسة في مقدمة كتابه [1/ 64 - 75] تبين أن هذا الكتاب لابن النقيب، وليس لابن القيم، ولم يتبين له ذلك إلا بعد انتهاءه من بدائع التفسير وسيقوم جزاه الله خيرًا بتعديله في الطبعة القادمة. وقد طبع هذا الكتاب منسوبأ لصاحبه بعنوان: (مقدمة تفسير ابن النقيب في علم البيان والمعاني والبديع وإعجاز القرآن) طبعته مكتبة الخانجي بالقاهرة عام 1415 هـ في طبعته الأولى بتحقيق الدكتور/ زكريا سعيد علي. وابن النقيب هو أبو عبد الله جمال الدين المقدسي مشهور بابن النقيب ولد سنة 611 هـ وتوفي سنة 658 هـ.