وفي كلام ابن القيم على هذه الآية بيان شيء من حكمة هذه الشريعة، فإنها قد جعلت الحد على شارب الخمر، ولم تجعل حدًا على من أكل الميتة لعدم الحاجة إليه لاستقرار كراهية ذلك في نفوس بني آدم، وفي كلامه أيضًا بيان لشيء من فصاحة الآية فقد عبرت الآية عن لحم الخنزير بأنه رجس ونصت بهذا الوصف عليه وحده لأن في طباع بعض الناس استلذاذه واستطابته، ولا يعني هذا انتفاء هذا الوصف عن الميتة والدم المسفوح، ولكن أغنى عن الإشارة إليها بذلك ما هو مستقر في طباع الناس كلهم من استقذارها وكراهيتها، وقد أشار ابن القيم إلى أن لهذه الطريقة نظائر في القرآن ولعل من ذلك ما في قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [1] فقد ادعى المشركون في فعلهم الفاحشة -ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة [2] - أمران:
الأول: أنهم وجدوا آبائهم على ذلك، وهذا حق.
والثاني: أن الله أمرهم بذلك، وهذا باطل.
فرد الله عليهم بقوله: {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فنص على رد الأمر الثاني، ولم يتعرض للأول لأنه معلوم [3] .
(1) - سورة الأعراف، آية (28) .
(2) - انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير [2/ 193 - 194] .
(3) - وقد سمعت نحو هذا من الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - وقد نص على أنه يستفاد من هذه الآية الأدب في الرد على المخالف فيقبل ما جاء به من الحق ولا يسكت عما جاء به من الباطل.