فهرس الكتاب
طعام أبيح له في هذه الحال فله أن يأكل حتى يشبع، ويرد عليهم بأن الإباحة متعلقة بالضرورة فمتى ما زالت الضرورة زالت الإباحة، وإذا سد رمقه فقد زالت عنه صفة الاضطرار فحرم عليه الأكل، وقد بين الإمام ابن قدامة المقدسي أن أهل العلم اتفقوا على إباحة الأكل للمضطر بما يسد رمقه ويدفع به حاجته، واتفقوا على عدم جواز الأكل له فوق الشبع، واختلفوا في الأكل إلى الشبع على وجهين [1] ، كما بينه ابن القيم.
القول الراجح ودليله:
الراجح في هذه المسألة أن معنى البغي والعدوان متعلق بما يكون منه في الأكل لما سبق من الأدلة، ولا يباح له إلا ما يسد به رمقه، لأن الضرورة تقدر بقدرها، وهذا هو ترجيح إمام المفسرين ابن جرير الطبري، حيث قال:"وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال فمن اضطر غير باغ بأكله ما حرم عليه من أكله ولا عاد في أكله وله عن ترك أكله بوجود غيره مما أحله الله له مندوحة وغنى، وذلك أن الله تعالى ذكره لم يرخص لأحد في قتل نفسه بحال ... وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه غير باغ في أكله شهوة فأكل ذلك شهوة لا لدفع الضرورة المخوف منها الهلاك مما قد دخل فيما حرمه الله عليه فهو بمعنى ما قلنا في تأويله وإن كان للفظه مخالفًا. فأما توجيه تأويل قوله ولا عاد ولا آكل منه شبعه ولكن ما يمسك به نفسه فإن ذلك بعض معاني الاعتداء في أكله ولم يخصص الله من معاني الاعتداء في أكله معنى فيقال عنى به بعض معانيه، فإذا كان ذلك كذلك فالصواب من القول ما قلنا من أنه الاعتداء في كل معانيه المحرمة" [2] .
(1) - انظر: المغني، لابن قدامة [9/ 330] .
(2) - تفسير الطبري [2/ 88] .