فهرس الكتاب
مقيمًا على ترك رد مظلمة درهم أو ترك صلاة أو صوم لم يتب منه لا يحل له الأكل، أو أن يكون جائز له الأكل مع كونه مقيمًا على ضرب من المعاصي بعد أن لا يكون سفره في معصية ولا خارجًا على إمام، وقد ثبت عند الجميع أن إقامته على بعض المعاصي لا تمنع استباحته للميتة عند الضرورة، فثبت أن ذلك ليس بمراد، ثم بعد ذلك يحتاج في إثبات المأثم الذي يمنع الاستباحة إلى دلالة من غير الآية، وهذا يوجب إجمال اللفظ وافتقاره إلى البيان فيؤدي ذلك إلى وقوف حكم الآية على بيان من غيرها، ومتى أمكننا استعمال حكم الآية وجب علينا استعمالها، وجهة إمكان استعمالها ما وصفنا من إثبات المراد بغيًا وتعديًا في الأكل بأن لا يتناول منها إلا بمقدار ما يمسك الرمق ويزيل خوف التلف ..." [1] ."
ومن الوجوه التي ترجح ما ذهب إليه ابن القيم: أن العاصي بخروجه على الإمام واعتدائه على الناس إذا امتنع عن الأكل المباح حتى أضر بنفسه كان عاصيًا لله تعالى، وكذلك في حال الاضطرار إذا امتنع عن الطعام فقد زاد على معصيته معصية أخرى وهي تعريض نفسه للهلاك، فإن قيل يمكنه تدارك ذلك بالتوبة فيتوب ثم يأكل، وإن لم يتب فهو الذي جنى على نفسه، فالجواب أن عدم توبته لا تبيح له قتل نفسه. ومن الوجوه أيضًا: أن أحكام الأطعمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس في الطاعة والمعصية فسائر المأكولات المباحة للمطيعين مباحة للعصاة، وسائر المأكولات المحرمة على المطيعين محرمة على العصاة [2] .
وأما كلام ابن القيم على مسألة مقدار ما يأكل المضطر من هذه المحرمات فقد بين أقوال العلماء في ذلك، واختار ما ذهب إليه الجمهور وهو أن يأكل ما يسد رمقه ولا يشبع، وأما من أباح له الشبع فحجتهم أنه
(1) - أحكام القرآن، الجصاص [1/ 156 - 157] .
(2) - انظر: أحكام القرآن، الجصاص [1/ 157] .