فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 534

والعدوان فيها يرجعان إلى الأكل، فقد بينت الآية حرمة الأكل من هذه الأصناف، ثم بعد ذلك جاء قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} أي إلى الأكل منها، ثم قال: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} أي إذا أكل منها وهو غير باغ ولا عاد، ونظير ذلك ما جاء في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} [1] أي فمن اضطر إلى الأكل من الأصناف المحرمة المذكورة وهو غير مائل إلى إثم في أكله منها، قال الجصاص:"... اتفقوا على أنه لو لم يكن سفره في معصية، بل كان سفره لحج أو غزو أو تجارة، وكان مع ذلك باغيًا على رجل في أخذ ماله، أو عاديًا في ترك صلاة أو زكاة، لم يكن ما هو عليه من البغي والعدوان مانعًا من استباحة الميتة للضرورة، فثبت بذلك أن قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} لم يرد به إنفاء البغي والعدوان في سائر الوجوه، وليس في الآية ذكر شيء منه مخصوص فيوجب ذلك كون اللفظ مجملًا مفتقرًا إلى البيان، فلا يجوز تخصيص الآية الأولى به - يقصد قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [2] - لتعذر استعماله على حقيقته وظاهره، ومتى حملنا ذلك على البغي والتعدي في الأكل استعملنا اللفظ على عمومه وحقيقته فيما أريد به وورد فيه، فكان حمله على ذلك أولى من وجهين: أحدهما: أنه يكون مستعملًا على عمومه. والآخر: أنا لا نوجب به تخصيص قوله: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [3] . وكذلك: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} [4] لا يخلو من أن يريد به مجانبة سائر الآثام حتى يكون شرط الإباحة للمضطر أن يكون غير متجانف لإثم أصلًا في الأكل وغيره، حتى إن كان"

(1) - سورة المائدة، آية (3) .

(2) - سورة الأنعام، آية (119) .

(3) - سورة الأنعام، آية (119) .

(4) - سورة المائدة، آية (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت