الثالث: قوله: {سَلَامٌ} بالرفع، وهم سلموا عليه بالنصب، والسلام بالرفع أكمل، فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت وعدم التجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد، فإبراهيم حياهم أحسن من تحيتهم، فإن قولهم: {سَلَامًا} يدل على سلمنا سلامًا، وقوله: {سَلَامٌ} أي سلام عليكم [1] .
الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم؛ احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال: أنتم قوم منكرون، فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام.
الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله، فقال: {مُّنكَرُونَ} ولم يقل: إني أنكركم، وهو أحسن في هذا المقام، وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة.
السادس: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بنزلهم، والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف [2] ، وهذا من كرم رب المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يُسمع ضيفه ويقول له أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه.
(1) - انظر تفسير ابن كثير [2/ 410] وَ [4/ 211] .
(2) - قال الطبري في تفسيره [26/ 208] :"وقوله: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ} [الذاريات: 26] يقول عدل إلى أهله ورجع، وكان الفراء يقول: الروغ وإن كان على هذا المعنى فإنه لا ينطق به حتى يكون صاحبه مخفيًا ذهابه ومجيئه".