والحديث [1] ، إلا الشافعي ومالكًا فإنهما قالا لا كفارة عليه بذلك [2] . والذين أوجبوا الكفارة أسعد بالنص من الذين أسقطوها، فإن الله سبحانه ذكر تحلة الأيمان عقب قوله: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} وهذا صريح في أن تحريم الحلال قد فرض فيه تحلة الأيمان، إما مختصًا به، وإما شاملًا له ولغيره، فلا يجوز أن يخلى سبب الكفارة المذكورة في السياق عن حكم الكفارة ويعلق بغيره، وهذا ظاهر الامتناع ... وإنما الكفارة كما سماها الله تعالى تحلة وهي تفعلة من الحل، فهي تحل ما عقد به اليمين ليس إلا، وهذا العقد كما يكون باليمين يكون بالتحريم، وظهر سر قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} عقيب قوله: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} " [3] ."
التعليق والإيضاح:
هذه المسألة في من حرم شيئًا غير الزوجة كالأمة والطعام والشراب واللباس، فمن ألزمه الكفارة فقد اعتبر هذا التحريم يمين وهو الذي اختاره ابن القيم، لأن الله فرض التكفير عن الأيمان بعد قوله لنبيه»: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [4] ، وقد جاء أن النبي» حرم على نفسه العسل كما في القصة
(1) - انظر في مذهب الحنفية: بدائع الصنائع، للكاشاني [3/ 169] . وفي مذهب الحنابلة: الكافي في فقه ابن حنبل، لابن قدامة [4/ 382] ، وكشاف القناع، للبهوتي [6/ 240] .
(2) - انظر في مذهب الشافعي: الأم، للشافعي [5/ 262] ، ومغني المحتاج، للشربيني [3/ 283] . إلا أن عندهم كفارة في تحريم الأمة خلافًا للجمهور وقد أشار إليها ابن القيم في زاد المعاد [5/ 317] . وفي مذهب الإمام مالك: المدونة الكبرى [5/ 394 - 395] ، والذخيرة، للقرافي [4/ 73 - 74] .
(3) - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم [5/ 316] .
(4) - سورة التحريم، آية (1) .