فأُسعرت بهم الدنيا نارًا خصوصًا المشرق بأسره حتى لم يبق بلد منه، حتى دخله شرهم، ثُمَّ كان خراب بغداد وقَتْلُ الخليفة المستعصم آخر خلفائهم عَلَى أيديهم في سنة ست وخمسين وستمائة، ثُمَّ لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم (اللنك) ومعناه: الأعرج، واسمه (تَمُر) ـ بفتح المثناة وضم الميم وربما أشبعت ـ، فطرق الديار الشامية وعاث فيها، وحرّق دمشق حتى صارت خاوية عَلَى عروشها، ودخل الروم والهند ومابين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه البلاد، وظهر بجميع ماأوردته مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن بني قنطوراء أول من سلب أمتي ملكهم ) )وكأنه يريد بقوله: (( أمتي ) )أُمَّة النسب لا أُمَّة الدعوة يعني العرب، والله أعلم) [1] . انتهى كلام ابن حجر.
وعَلَى هذا يَكُوْن التتار الَّذِينَ ظهروا في القرن السابع الهجري هم من الترك، فإن الصفات التي جاءت في وصف الترك تنطبق عَلَى التتار (المغول) ، وقد كان ظهورهم في زمن الإمام النووي رحمه الله [2]
وقد بوّب القرطبي رحمه الله بابًا في سياقة الترك للمسلمين، وسياقة المُسْلِمينَ لهم، وذكر فيه حَدِيث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف [3] ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السابقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأَمَّا الثانية فيهلك بعض وينجو بعض وأَمَّا الثالثة فيصطلمون [4] كلهم من بقي منهم ) )قالوا: يانبي الله! من هم؟ قال: (( هم الترك ) )قال: (( أما والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المُسْلِمينَ ) ).
قال: وكان بريدة لايفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بَعْدَ ذلك
(1) ـ الفتح: 6/ 705.
(2) ـ وُلد النووي عام 631 هـ، وتوفي في 676 هـ كما في تذكرة الحفاظ 4/ 1472 ـ 1473، وهذه الفترة هي التي ظهر فيها التتار وقضوا عَلَى الخلافة العباسية. (أشراط الساعة: 97) .
(3) ـ الحجف: الترس. النهاية في غريب الحَدِيث: 1/ 345).
(4) ـ يصطلمون: الاصطلام: افتعال من الصلم وهو القطع أي يحصدون. (النهاية في غريب الحَدِيث: 3/ 49، عون المعبود: 11/ 413) .