قال الزمخشريّ: هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه ، قصد في {كَبُرَ} التعجب من غير لفظه . ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين . وأسند إلى {أَن تَقُولُواْ} ، ونصب {مَقْتاً} على تفسيره ، دلالة على أن قولهم مالا يفعلون مقت خالص ، لا شوب فيه ، لفرط تمكن المقت منه . واختير لفظ المقت ؛ لأنه أشد البغض وأبلغه ، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيراً ، حتى جعل أشده وأفحشه . و {عِندَ اللَّهِ} أبلغ من ذلك ، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله ، فقد تم كبره وشدته .
قال الناصر: وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس ، وهو تكرار لقوله:
{مَا لَا تَفْعَلُونَ} وهو لفظ واحد ، في كلام واحد . ومن فوائد التكرار التهويل والإعظام .
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} قال القاشانيّ: لأن بذل النفس في سبيل الله لا يكون إلا عند خلوص النفس في محبة الله ، إذ المرء إنما يحب كل ما يحب من دون الله لنفسه . فأصل الشرك ومحبة الأنداد ، محبة النفس . فإذا سمح بالنفس ، كان غير محب لنفسه ، وإذا لم يحب نفسه فبالضرورة لم يحب شيئاً من الدنيا ، وإذا كان بذله للنفس في اللّهو وفي سبيله لا للنفس ، كما قال - ترك الدنيا للدنيا - كانت محبة الله في قلبه راجحة على محبة كل شيء ، فكان من الذين قال فيهم: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ} [البقرة: 165] ، وإذا كانوا كذلك يلزم محبة الله إياهم ، لقوله:
{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، انتهى .
تنبيهات:
الأول: في ذكر هذه الآية عقيب مقت المخلف دليل على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار ، فلم يفوا . انتهى .