قد قلتُ لك فيما سبق بشأن ما ذكرتُه من الأمور المعلة لخبر زيد بن أسلم وخبر إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف بأنها مجرد إشارات فقط دون الدخول في التفاصيل، وعناوين عريضة يندرج تحتها كلام طويل الذيل.
فبادرتَ إلى إنكارها كلما لم يصل إليها علمك ولم يبلغها فهمك. فأرعدتَ وأبرقت! وكان أحرى بك أن تستفهم وتتثبت قبل أن تصدر أحكامك التي لا تقبل النقض والمراجعة! علمًا بأن هذا الأسلوب كما هومعلوم طالما سدَّ أبواب الفائدة على طلبة العلم.
لهذا، لن أخوض معك هذه المرة في الكلام على العلل الخفية، لأن الكلام فيها كان قديمًا ضربًا من الكهانة، فكيف في هذا العصر المزمن؟! وإنما سأقتصر على علة من العلل الظاهرة، وهي الانقطاع، حتى تعلم أني لم أنطلق من فراغ في نقد تلك المناكير. واختياري لهذه العلة بالذات لسببين:
أحدهما: أنها علة ظاهرة، فسيسهل عليك معرفة مدى موافقتها للقواعد العلمية برجوعك إلى المصنفات في علم أصول الحديث. فإذا كانت مخالفة لها فاضرب بكلامي عرض الحائط! وقس عليها بقية العلل!
والسبب الثاني: أنها ستختصر لنا الوقت، فإذا أثبتنا أنها علة حقيقية وليست وهمية كما تخيلتَ، فهي كافية للقدح والتوهين! وهوالمطلوب إثباته.
فأقول: الراوي في خَبَرِهِ تارة يصرح بالسماع أوالتحديث أوالإخبار، وتارة يقول: (عن فلان) ولا يصرح بشيء من ذلك، وتارة يقول: (قال فلان كذا) ، وتارة يقول: (أن فلانًا فعل كذا) . والذي يهمنا هنا هوهذا القسم الأخير، هل هومحمولٌ على الاتصال أم لا؟
قال حافظ المغرب أبوعمر يوسف بن عبدالبر القرطبي:
«فجمهور أهل العلم على أن ?عن? و?أن? سواءٌ، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هوباللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعضٍ صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأي لفظٍ ورد محمولًا على الاتصال، حتى تتبين علة الانقطاع» .