فأي إسراف ونصر حصلا له في جيش أمير المؤمنين وقد قتل من جيشه الطالب بدم
عثمان البريء منه خمسة وأربعون ألفًا على أقل تقدير، ومن جيش حيدرة خمسة وعشرون ألفًا ؟
وأي إسراف ونصر حصلا له وقد أشرف على الهزيمة الكبرى ولولا المصاحف لهلك جل جيشه ؟
وجهل فادح ممن يحتج بها على ذلك ،
فمحال صدوره من عمرو وهو من
علماء الصحابة ومحال تسليمه ولو صدر منه من أبي موسى الأعلم منه.
الخامس:
ما نقصت هذه الخديعة لو صحت مما كان لأمير المؤمنين عند أتباعه شيئًا
وما أفادت معاوية شيئًا جديدًا زائدًا عما كان له حتى يصح أن يقال فيها إن فلانًا داهية
كاد أمة من المسلمين بكيد مقدمها
ومحكمها ، وغاية أمرها أنها أشبه بعبث الأطفال لا تتجاوز العابث والمعبوث به ،
وبرَّأ الله تعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا العبث.
السادس: لو صحت هذه الأسطورة لم يلزم منها غفلة أبي موسى
ودهاء عمرو ، بل تدل على مدح
أبي موسى بالصدق والوفاء بالوعد والعهد وهي من صفات الأخيار من بني آدم فضلًا عن المؤمنين فضلًا عن الصحابة ،
ووصم عمرو
بالخيانة والكذب والغدر وهي من صفات الأشرار من بني آدم ،
وكان العرب في جاهليتهم ينفرون منها أشد النفور ولا قيمة
لمن اتصف بواحدة منها عندهم ، وقد ذم ورهب دين الإسلام مرتكبيها،
وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه"
وينادى على رؤوس الخلائق هذه غدرة فلان فلان"."
السابع: لا يخلو قول عمرو فيما زعموا عليه ( وأثبت صاحبي معاوية )
من أمرين: الأول ثبته في الخلافة كما كان أولًا ، وهذا هو المتبادر من لفظ التثبيت ،
وهو باطل قطعًا ؛فإنه لم يقل أحد ينتسب إلى الإسلام إن معاوية
كان خليفة قبل التحكيم حتى يثبته حَكمه فيها بعده ، ولم يدعها هو لا قبله ولا بعده ، ولم ينازع حيدرة فيها.