وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ربى صحابته على الإيمان والتقى، فكانوا منارات يستضاء بها في الأرض كحال النجوم في السماء، اللهم صل على محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... . وبعد:
فأي عقل لبيب وأي منطق سليم يرضي ويقنع بروايات أهل البدع والأهواء في هذا الجيل الفريد، وقاتل الله الرافضة فكم شوهوا في تاريخنا وكم حرفوا في مروياتنا.
ولقد نال أبا موسى الأشعري رضي الله عنه من هذا التشويه والتحريف ما أصبح مادة لمن في قلوبهم مرض، فراموا تشويه تاريخ الصحابة بهدف تشويه الدين أساسًا، وتأمل مقولة الإمام مالك رحمه الله
في هدف الذين يقدحون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يقال: رجل سوء ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين [1] .
ومما ذاع وشاع في التاريخ قديمًا وحديثًا موقف الحكمين:
أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما في قصة التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما،
حين وقعت الفتة، وأن موقف أبي موسى رضي الله عنه يمثل موقف المغفل المخدوع، بينما يمثل موقف عمرو بن العاص موقف الماكر الخادع.
إذ اتفقوا - كما تقول الرواية الساقطة - على أن يخلع كل منهما صاحبه أمام المسلمين وتولي الأمة من أحبت، فابتدأ أبو موسى وخلع صاحبه عليًا، فلما جاء دور عمرو بن العاص وافق على خلع علي وأثبت صاحبه معاوية؟ فهل تليق هذه المراوغة بالصالحين من أبناء المسلمين فضلًا عن نسبتها للمؤمنين الصادقين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟
إن المقام لا يتسع للحديث عن شخصية عمرو بن العاص الإيمانية ومواقفه الجهادية، وعسى أن تتاح الفرصة لذلك قريبًا.
ولكن القضية مرفوضة أولًا بميزان العقل والمنطق، فكيف يتهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه بالتغفيل،